يختم الله تعالى هذا المقطع العظيم بتقرير حقيقة الملك والوراثة المطلقة للكون؛ فكل من على الأرض من ملوك وجبابرة وأغنياء وفقراء وأمم سيفنون ويزول ملكهم وعروشهم، ويبقى الحي القيوم الذي لا يموت وحده، فيرث الأرض وما حوت ومن سكن عليها، وإليه وحده يرجع جميع الخلائق للحساب والجزاء العادل.
روى الطبري (ج 15، ص 523)مصدر غير محدد١٥/٥٢٣ عن قتادة وابن عباس ومجاهد في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا}: «أي نميت أهلها ونفنيهم ونبقى وحدنا لا شريك لنا، فنرث الأرض بما فيها من الممالك والأموال، وإلينا مصيرهم يوم القيامة».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 234)مصدر غير محدد٥/٢٣٤ أن الله تعالى هو الخالق المالك المدبر، والعباد إنما أُعيروا الدنيا عارية موقوتة، فإذا فنيت الدنيا نادى الجليل جل جلاله: «لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ»، فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه سبحانه وتعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«نَرِثُ»: الوراثة هنا استعارة لبقاء الله تعالى بعد فناء خلقه وانتقال التصرف في الملك إلى الله وحده ظاهراً وباطناً؛ وهو الوارث الحقيقي الباقي بعد فناء البرية.
«وَمَنْ عَلَيْهَا»: من اسم موصول للعاقل؛ أي ونرث سائر العقلاء والمكلفين بفنائهم وموتهم.
«يُرْجَعُونَ»: الرجوع هو الإياب والمصير إلى الأصل؛ وبني الفعل للمجهول للدلالة على القهر والإلجاء المحتوم.
الإعراب والقراءات:
«إِنَّا»: إن حرف توكيد ونصب، ونا اسمها ضمير متصل مبني في محل نصب.
«نَحْنُ»: ضمير فصل لا محل له من الإعراب لتأكيد الحصر، أو ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ثانٍ وخبره جملة نرث.
«نَرِثُ»: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
«الْأَرْضَ»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
«وَمَنْ عَلَيْهَا»: الواو عاطفة، مَن اسم موصول في محل نصب معطوف على الأرض، عليها جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول.
«وَإِلَيْنَا»: الواو عاطفة، إلينا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم أو متعلق بـ (يرجعون) لتقديم ما حقه التأخير لإفادة القصر والحصر.
«يُرْجَعُونَ»: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل (قراءة الجمهور)، وقرأ يعقوب الحضرمي: {يَرْجِعُونَ} بفتح الياء مبنياً للمعلوم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الختام القرآني يمثل قمة التثبيت والتسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين المستضعفين في مكة؛ فكأنه يقول لهم: لا يغرنكم تقلب الكفار وطغيان الجبابرة وما يملكونه من أموال وأولاد وسلطان في الأرض؛ فإن الأرض ومن عليها ملك زائل ومتاع فاني، وسينتهي الأمر كله إلى الله الوارث الباقي وحده، وسيقفون بين يديه لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
والربط بين «وراثة الأرض» وبين «الرجوع إلى الله» {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} يقطع كل أمل في الإفلات من قبضة العدالة الإلهية؛ فالمالك الذي ورث الدار هو الذي سيحاسب النزلاء على ما أحدثوا فيها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية لحقيقة الملكية البشرية الزائلة:
يتوهم الطغاة والجبابرة عبر التاريخ أن ملكهم أبدي، فيتفاخرون بالأوطان والجيوش والأموال كما قال فرعون: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ}.
والقرآن الكريم يحاكم هذا الغرور بحقيقة الموت والوراثة؛ فالإنسان يدخل الدنيا عارياً لا يملك خيطاً، ويخرج منها في خرقة كفن بالية، وتؤول أمواله إلى غيره، حتى يفنى العالم كله ولا يبقى إلا الخالق الحق؛ فكيف يتكبر عبد وهو يعلم أنه مملوك مسترد وأن ربه هو الوارث المطلق؟!
أسلوب الحصر والتوكيد المتكرر: تصدير الآية بـ {إِنَّا} ثم ضمير الفصل {نَحْنُ} يفيد الحصر والقطع؛ أي نحن لا سوانا نرث الأرض ومن عليها، ولا يشاركنا في ذلك ملك ولا سلطان.
تقديم الجار والمجرور في {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}: أسلوب قصر وبلاغة؛ أي إليه وحده لا إلى غيره مرجع الخلائق ومصيرهم؛ فلا مفر ولا ملجأ من الله إلا إليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص زهداً حقيقياً في حطام الدنيا وزخرفها الزائل؛ فالذي يوقن أن الأرض ومن عليها فانية لا يتحاسد على دراهم معدودة ولا يتنافس على مناصب فانية، بل يعمر دنياه بما يرجو ثوابه عند الوارث الأعلى.
كما يعطي الداعية قوة نفسية هائلة في مواجهة الباطل؛ فكل قوى الظلم والشر في الأرض زائلة مندثرة، والعاقبة للمتقين.