بعد أن تيقن زكريا عليه السلام من صدق البشارة ووقوع الوعد طلب من ربه أن يجعل له علامة وأمارة تدله على وقت حدوث الحمل ليعجل بشكر الله وحمده والثناء عليه والانقطاع لذكره.
روى الطبري (ج 15، ص 463)مصدر غير محدد١٥/٤٦٣ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والسدي: «أن زكريا سأل الآية ليعلم وقت حمل امرأته ليفرح بذلك ويشتغل بالشكر، فقال الله له: علامتك ألا تقدر على كلام الناس ثلاثة أيام ولياليهن مع أن لسانك وجوارحك صحيحة مبرأة من الخرس والعلة».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 217)مصدر غير محدد٥/٢١٧ أن زكريا عليه السلام أُمسك لسانه عن محادثة الناس ومخاطبتهم الدنيوية ثلاثة أيام بلياليها، ومع ذلك كان لسانه منطلقاً بذكر الله، وقراءة التوراة، والتسبيح والتهليل دون أي عائق؛ فكان حبس اللسان عن كلام البشر مع انطلاقه بذكر الله هو عين الآية المعجزة الدالة على طلاقة القدرة الإلهية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«آيَةً»: الآية هي العلامة الظاهرة والدلالة القاطعة التي يُستدل بها على أمر خفي.
«ثَلَاثَ لَيَالٍ»: ثلاث ليالٍ بأيامهن، وقيدها في آل عمران بقوله: {ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا}، فذكر الليالي هنا والأيام هناك للدلالة على استيعاب الزمن كله ليلاً ونهاراً.
«سَوِيًّا»: حال من فاعل (تكلم) أي وأنت صحيح سوي الجوارح لا خرس بك ولا مرض ولا علة؛ وقيل: حال من (ليال) أي ثلاث ليال مستويات متتابعات كوامل.
الإعراب:
«قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً»: قال فعل ماض، ربي منادى، اجعل فعل دعاء، لي جار ومجرور، آية مفعول به أول أو ثانٍ بحسب تضمين اجعل.
«قَالَ آيَتُكَ»: قال فعل ماض، آيتك مبتدأ مرفوع والكاف مضاف إليه.
«أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ»: أن حرف مصدري ونصب، لا نافية، تكلم فعل مضارع منصوب بالفتحة والفاعل مستتر تقديره أنت، الناس مفعول به، والمصدر المؤول (ألا تكلم) في محل رفع خبر المبتدأ (آيتك)؛ والتقدير: آيتك عدم تكليمك الناس.
«ثَلَاثَ لَيَالٍ»: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ (تكلم)، ليال مضاف إليه مجرور.
«سَوِيًّا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من الضمير المستتر في (تكلم)؛ أي سليم الخلقة ليس بك خرس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا الطلب متناسباً مع غاية الشكر؛ فإن زكريا عليه السلام لما بُشر بهذا الفضل العظيم اشتاقت نفسه إلى معرفة مبدأ انبثاق النور ليتفرغ للشكر؛ فاختار الله له آية معجزة من جنس العبادة المطلوبة؛ حيث حبس لسانه عن لغو كلام البشر ليتفرغ بكليته لذكر الله وتسبيحه.
والتعبير بـ {ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} يرسخ الإعجاز؛ فلو كان انقطاع الكلام بسبب مرض أو بحة في الصوت أو آفة في اللسان لم يكن آية دالة على قدرة الله الخارقة، فلما كان سوياً صحيحاً متمكناً من ذكر ربه عاجزاً عن مخاطبة الناس صار ذلك برهاناً ساطعاً لا يقبل الشك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم العقوبة على زكريا عليه السلام:
زعم بعض المفسرين من المتأخرين أو نقلوه عن كتب بني إسرائيل أن حبس اللسان كان عقوبة لزكريا لأنه طلب الآية بعد أن أخبره الله بالبشارة!
والمحاكمة العقدية السلفية تبطل هذا القول الباطل جملة وتفصيلاً:
أن طلب الآية للاستيقان ومضاعفة الشكر مشروع في هدي الأنبياء، كما طلب إبراهيم الخليل عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، ولم يكن ذلك شكاً ولا استوجب عقوبة قط.
أن الله سماها «آية» والآية كرامة وبرهان ونعمة وإجابة لطلبه، والكرامة لا تكون عقوبة بحال؛ ولو كانت عقوبة لسلبه الذكر أيضاً، فلما أُطلق لسانه بالذكر وحُبس عن البشر كان ذلك محض اصطفاء للتفرغ للشكر والمناجاة.
البلاغة في حصر الانحباس على كلام الناس: قوله {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} تعليق النفي بكلام الناس خاصة؛ لبيان أن قدرة الله عز وجل قادرة على شل وظيفة العضو في اتجاه وإطلاقها في اتجاه آخر؛ فاللسان في موضع المحادثة البشرية معطل كالمشلول، وفي موضع التسبيح والتهليل والتوراة منطلق كأعذب ما يكون، وهذا من أدق صور الإعجاز الحيوي والبياني.
التدبر في قيمة الصمت عن الخلق: في الصمت عن البشر راحة للجوارح وحفظ للطاقة الروحية واستجماع للقلب في حضرة الله تعالى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يرشدنا هذا المشهد القرآني إلى أن شكر النعم الكبرى يقتضي الانقطاع عن لغو الحديث وفضول الكلام، والإقبال على الذكر والاستغفار؛ فمن رزقه الله نعمة عظيمة ينبغي له أن يجعل لها حظاً من خلوة التسبيح والشكر.
كما يعلم الداعية أن انحباس الأسباب المادية لا يمنع من استمرار التعبد والذكر؛ فحين تغلق في وجهك أبواب التواصل الدنيوي افتح أبواب المناجاة مع رب العالمين.