هذا مآل الورود والفرقان الإلهي العظيم؛ بعد أن يَرِدَ الخلائق كلهم ساحة النار، يتدخل اللطف الإلهي والعدل الرباني؛ فينجي الله الذين اتقوا الشرك والمعاصي في الدنيا وأطاعوا ربهم، فيعبرون الصراط إلى جنات النعيم سالمين مكرمين، ويترك الله الظالمين المشركين ساقطين مكدوسين في قعر جهنم جاثين على ركبهم أذلاء مخلدين في العذاب.
روى الطبري (ج 15، ص 585)مصدر غير محدد١٥/٥٨٥ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا}: «أي نخلص الذين اتقوا الله في الدنيا بأداء فرائضه واجتناب محارمه من النار وأهوالها». وقوله: {وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}: «أي نترك المشركين الكافرين باركين على ركبهم في النار يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم».
وروى البخاري في صحيحه (رقم 806)مصدر غير محددحديث رقم ٨٠٦ ومسلم (رقم 182)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٢ في حديث الشفاعة الطويل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ؛ فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ وَكَالبَرْقِ وَكَالرِّيحِ... فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«نُنَجِّي»: التنجية التخليص من الهلكة والأمان من الخوف؛ وقرئ بالتخفيف {نُنْجِي}.
«اتَّقَوا»: فعل ماض دال على ثبوت التقوى في حياتهم الدنيوية السابقة؛ فاتقوا الشرك والفواحش.
«نَذَرُ»: الترك والتخلية؛ نذره ينذره إذا تركه وأهمله في موضعه احتقاراً وهواناً.
«جِثِيًّا»: باركين على ركبهم في العذاب كما كانوا حولها.
الإعراب والقراءات:
«ثُمَّ»: حرف عطف يفيد التراخي والترتيب الحتمي.
«نُنَجِّي»: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره نحن (قراءة عاصم وابن عامر وحمزة بالتشديد)، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {نُنْجِي} بسكون النون وتخفيف الجيم من أنجى.
«الَّذِينَ»: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (ننجي).
«اتَّقَوا»: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
«الظَّالِمِينَ»: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
«فِيهَا»: جار ومجرور متعلق بـ (نذر) أو بمحذوف حال.
«جِثِيًّا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من الظالمين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الفرج الذي يتنزل بعد شدة الورود! فالآية السابقة قررت حتمية الورود على الجميع {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} فأوجفت القلوب وارتعدت الفرائص، فجاءت هذه الآية مباشرة لتبشر أهل التقوى بالنجاة التامة: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا}.
والتقابل النظمي بين «التنجية» و«الترك»؛ فالمتقي مشمول بالعناية الإلهية والتنجية الكريمة، والظالم متروك منبوذ في قعر الجحيم جثياً لا يلتفت إليه أحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معيار النجاة في الآخرة:
يحسم هذا النص معيار النجاة الأبدي: النجاة مرتبطة بـ «التقوى» {الَّذِينَ اتَّقَوا}، والهلاك مرتبط بـ «الظلم» {الظَّالِمِينَ}.
فلا نسب ينفع، ولا مال ينجي، ولا شفاعة بغير إذن الرحمن ورضاه؛ فمن حقق التقوى في الدنيا نجا على الصراط وتلقته الملائكة بالبشرى، ومن ظلم نفسه بالشرك والمعاصي ترك في الجحيم جثياً.
البلاغة في التعبير بـ «نَذَرُ»: استعارة دالة على الإهانة والتحقير؛ فالمهمل المتروك في مواطن الهلاك لا قيمة له ولا شأن له عند الله، كما قال تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا}.
التكرار النظمي لهيئة «جِثِيًّا»: في الآية (68) كانوا حول جهنم جثياً قبل الدخول، وهنا في الآية (72) صاروا في قعرها جثياً بعد الإلقاء؛ للدلالة على ملازمة الذل والخزي لهم في كل مراحل الحساب والعذاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص نداء الاستمساك بالتقوى؛ فالتقوى هي سفينة النجاة الوحيدة على متن الصراط فوق لهيب جهنم.
وينبغي لكل مسلم أن يكثر من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والرسل على الصراط: «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»، وأن يطهر باطنه وظاهره من الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.