يجيبها جبريل عليه السلام بالأمر الإلهي القاطع: هكذا قضاء الله وحكمه الذي لا مرد له؛ قال ربك: خلق هذا الغلام من غير أب أمر هين يسير على كمال قدرتنا التي لا يعجزها شيء، ولنجعل هذا الخلق الباهر دلالة وعلامة قاطعة للناس على طلاقة القدرة الإلهية والبعث والنشور، ورحمة بالغة لمن آمن به واتبعه، وكان هذا الأمر حكماً مقدراً مقضياً في اللوح المحفوظ لا بد من نفاذه ووقوعه.
روى الطبري (ج 15، ص 483)مصدر غير محدد١٥/٤٨٣ عن ابن عباس وقتادة في قوله: {قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} قال: «أي يسير خفيف على قدرة الله». وفي قوله: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ}: «أي علامة دالة على كمال قدرة الله على خلق البشر من أنثى بلا ذكر، كما خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق سائر البشر من ذكر وأنثى؛ لتكتمل أقسام الخلق الأربعة».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 223)مصدر غير محدد٥/٢٢٣ في قوله: {وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} عن مجاهد والسدي: «أي أمراً محتوماً مقدراً قد فرغ الله منه في علمه السابق وقضائه المحكم، لا تبديل له ولا تحويل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«كَذَٰلِكِ»: الكاف حرف تشبيه، وتلك اسم إشارة مع كاف الخطاب المؤنثة المكسورة؛ أي: الأمر كائن كذلك كما أخبرتك رداً على تعجبها.
«هَيِّنٌ»: يسير لا مشقة فيه ولا كلفة.
«آيَةً»: علامة إعجازية وبرهاناً ساطعاً يقهر العقول على الإقرار بالقدرة الإلهية.
«رَحْمَةً»: الرحمة هي الإحسان والنعمة؛ فكان عيسى عليه السلام رحمة لمن آمن برسالته واتبع هداه.
«مَّقْضِيًّا»: مفعول من القضاء، وهو الأمر المحتوم المبتوت الذي فرغ منه ولا يقبل النقض.
الإعراب:
«قَالَ كَذَٰلِكِ»: قال فعل ماض والفاعل مستتر (جبريل)، كذلك جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الشأن كذلك.
«قَالَ رَبُّكِ»: فعل وفاعل مرفوع والكاف مضاف إليه.
«هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ»: هو مبتدأ، علي جار ومجرور متعلق بـ (هين)، هين خبر مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
«وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ»: الواو عاطفة على تعليل محذوف؛ أي: فعلنا ذلك لندل على قدرتنا ولنجعله آية. اللام لام التعليل، نجعله فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول، آية مفعول به ثانٍ منصوب، للناس جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (آية).
«وَرَحْمَةً مِّنَّا»: معطوف على (آية) منصوب، منا جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (رحمة).
«وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا»: الواو استئنافية، كان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على خلق عيسى أو الإيجاد، أمراً خبر كان منصوب، مقضياً نعت لـ (أمراً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يقرر الحكمة العليا من خلق المسيح عليه السلام؛ فإيجاده لم يكن عبثاً ولا مجرد استجابة لخرق العادة، بل كان لغايتين كبريين:
غاية كونية دلالية: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ}؛ علامة قائمة على قدرة الإله الذي يبدئ ويعيد ويخلق ما يشاء كيف يشاء.
غاية تشريعية إنقاذية: {وَرَحْمَةً مِّنَّا}؛ هداية وتزكية لمن أدركوا نبوته ورسالته من بني إسرائيل.
وختام الآية بـ {وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} يقطع حبال التردد في نفس مريم، ويهيئها لتلقي القضاء الإلهي بصبر وتسليم تام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استيعاب أشكال الخلق الأربعة ودحض الغلو في المسيح:
اتخذ النصارى ولادة عيسى من غير أب ذريعة للغلو فيه وادعاء ألوهيته وبنوته لله سبحانه وتعالى.
والمحاكمة العقلية الحكيمة التي أصلها أئمة التفسير تقطع دابر هذا الغلو؛ فالمسيح عليه السلام هو الضلع الرابع من قسمة العقل والقدرة في أشكال الخلق البشري:
خلق من غير ذكر ولا أنثى: وهو آدم عليه السلام (خلقه الله من تراب).
خلق من ذكر بلا أنثى: وهي حواء عليها السلام (خلقت من ضلع آدم).
خلق من أنثى بلا ذكر: وهو عيسى عليه السلام (خُلق من مريم بنفخة الروح).
خلق من ذكر وأنثى: وهم سائر بني آدم المتكاثرين بالتناسل.
فلو كانت الولادة من غير أب تقتضي الألوهية لكان آدم أحق بها؛ إذ خُلق بلا أب ولا أم! ولكن ذلك كله دليل على أن الله يخلق بالصورة التي يريدها ليثبت طلاقة قدرته وأنه هو الخالق المتفرد لا إله إلا هو.
التنكير في «آيَةً» و«رَحْمَةً»: للتفخيم والتعظيم البالغ؛ فهي آية لا تضاهيها آية، ورحمة واسعة تعم من اهتدى بها.
صيغة المفعول في «مَّقْضِيًّا»: دلالة على الحتم واليقين الذي جفت به الأقلام وطويت عليه الصحف، وفيه تسلية للمبتلى بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا التوجيه القرآني رداء التسليم المطلق لأقدار الله وقضائه؛ فإذا علم العبد أن الأمر «مقضي» هان عليه ثقل المصائب واطمأن قلبه لحكمة ربه العليم الحكيم.
كما يعلم الداعية أن معجزات الله وآياته في خلقه إنما هي رحمات ممدودة لهداية البشر، فينبغي تسخير البراهين الكونية والعلمية لدلالة الخلق على خالقهم الرحيم المنعم.