يأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بتلاوة خبر جده الأعلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، الذبيح الصابر وأبي عرب الحجاز والمصطفى من ولد إبراهيم؛ فقد اختصه الله بمناقب جليلة، وكان أعظمها شأناً اتصافه بكمال الصدق في الوعد والوفاء بالعهود، وجمعه بين رتبتي الرسالة والنبوة.
روى الطبري (ج 15، ص 546)مصدر غير محدد١٥/٥٤٦ عن مجاهد وسفيان الثوري وابن جريج في قوله: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ}: «أنه وعد رجلاً أن ينتظره في موضع، فانتظره إسماعيل في ذلك الموضع ثلاثة أيام حتى جاءه الرجل؛ وقيل: بل انتظره حولاً كاملاً وفاءً بوعده».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 239)مصدر غير محدد٥/٢٣٩ أن صدق الوعد صفة شريفة اشتهر بها إسماعيل عليه السلام؛ ومن أعظم وفائه بعهده استسلامه لأمر الله وأمر أبيه حين قال له: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}، فصدق وعده وصبر محتسباً حتى فداه الله بذبح عظيم. وأرسله الله رسولاً نبياً إلى قبائل جُرهم والعماليق وأهل اليمن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«إِسْمَاعِيلَ»: علم أعجمي ممنوع من الصرف، وهو ابن إبراهيم البكر من هاجر القبطية المصرية.
«صَادِقَ الْوَعْدِ»: الوعد هو التزام بأمر في المستقبل، وصدق الوعد مطابقته للواقع بالوفاء به التام دون تخلف.
«رَسُولًا نَّبِيًّا»: أُرسل إلى قبائل العرب بجزيرة العرب ليدعوهم إلى التوحيد والصلاة والزكاة.
الإعراب:
«وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ»: كإعراب نظائرها السابقة، وإسماعيل مفعول به منصوب بالفتحة غير منون.
«إِنَّهُ كَانَ»: إن واسمها، وكان واسمها مستتر.
«صَادِقَ»: خبر كان أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
«الْوَعْدِ»: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله.
«وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا»: الواو عاطفة، كان واسمها مستتر، رسولاً خبرها أول، نبياً خبر ثانٍ أو نعت لـ (رسولاً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إفراد إسماعيل بالذكر المستقل بعد موسى وإبراهيم تشريف باهر لجد المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ وتذكير لأهل مكة المشركين بخصال أبيهم إسماعيل؛ فإسماعيل بنى البيت الحرام ودعا بالتوحيد وكان صادق الوعد، فكيف يخلف قريش عهده ويعبدون الأوثان حول بيته؟!
وتخصيص فضيلة «صِدْقِ الْوَعْدِ» بالذكر لأنها رأس مكارم الأخلاق وأساس الثقة بين البشر والصلة مع الخالق؛ فمن صلح وعده صلح دينه كله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تفضيل غيره عليه لكون كل الأنبياء صادقي الوعد:
قد يظن ظان أن جميع الأنبياء صادقو الوعد، فما وجه تخصيص إسماعيل بهذا الوصف؟
والمحاكمة البلاغية تبين أن تخصيص الوصف بالذكر يدل على غاية ثبوته وتميزه فيه؛ فالأنبياء كلهم صادقون، ولكن إسماعيل تميز بابتلاء الذبح العظيم الذي باشر فيه الوفاء بأصعب وعد يبذله بشر وهو بذل النفس للذبح طاعة لله، فاستحق أن يخلده القرآن بـ {صَادِقَ الْوَعْدِ}.
إضافة «صَادِقَ» إلى «الْوَعْدِ»: تفيد ثبوت الوصف واستقراره؛ فلم يُعرف عنه إخلاف لوعد قط في دقيق الأمور وجليلها.
الجمع بين الصدق والرسالة والنبوة: إشارة إلى أن الصدق هو الباب الأعظم لحمل رسالات السماء؛ فالكاذب المخلف لا يصلح لقيادة الأمة ولا لتبليغ دين الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المسلمين على عظمة خلق «الوفاء بالوعد والعهد»؛ فإخلاف الوعد خصلة من خصال النفاق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».
وينبغي للداعية أن يكون أصدق الناس في مواعيده والتزاماته؛ فإن وفاء الداعية بكلمته أعظم وسيلة لكسب ثقة المدعوين واقتدائهم به.