يخبر الله جل وعلا عن عظيم إكرامه لإدريس عليه السلام؛ حيث رفعه مكاناً رفيعاً عالياً، وهو السماء الرابعة كما ثبت في حديث المعراج في الصحيحين، أو الرفعة المعنوية العظيمة بالنبوة والقرب من الله والثناء العاطر في الملأ الأعلى، وجمع الله له بين الرفعتين: رفعة المكان الحسي في السماء، ورفعة المكانة المعنوية في درجات القدس.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 550)مصدر غير محدد١٥/٥٥٠ عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} قال: «السماء الرابعة». وروى عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر، فقال: ما قول الله تعالى لإدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}؟ فقال كعب: «أوحى الله إلى إدريس أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً، فأتاه خليل له من الملائكة فحمله إلى السماء فقبض في السماء الرابعة».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 240)مصدر غير محدد٥/٢٤٠ أن أصح ما يفسر به المكان العلي هو ما ثبت في الصحيحين في الإسراء والمعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به في السماء الرابعة، وقال الحسن البصري: «رفعه الله إلى الجنة»، وقيل: الرفعة هنا رفعة الشرف والمنزلة كقوله تعالى في النبي صلى الله عليه وسلم: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}؛ ولا مانع من اجتماع رفعة المكان الحسي مع رفعة المكانة المعنوية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَرَفَعْنَاهُ»: الرفع في اللغة نقل الشيء من سفل إلى علو حساً بالصعود إلى مكان مرتفع، أو معنىً بعلو القدر والشرف والمنزلة.
«مَكَانًا»: ظرف مكان أو مفعول ثانٍ لـ (رفعناه) على تضمين الرفع معنى البلوغ والتصيير؛ أي بلغناه مكاناً.
«عَلِيًّا»: فَعِيل من العلو وهو الارتفاع والسمو، ويصلح للحسي والمعنوي.
الإعراب:
«وَرَفَعْنَاهُ»: الواو عاطفة، رفع فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، ونا فاعل، والهاء مفعول به أول في محل نصب.
«مَكَانًا»: مفعول به ثانٍ لـ (رفعناه) أو ظرف مكان منصوب بالفتحة الظاهرة.
«عَلِيًّا»: نعت لـ (مكاناً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يرتب الجزاء على جنس العمل؛ فإدريس لما أخلص العمل وكان صديقاً نبياً يرفع لربه صالح القول والعمل، قابله الله بأن رفعه إلى مكان عليّ؛ فمن تواضع لله وخضع لشريعته رفعه الله في الدنيا والبرزخ والآخرة.
ويتناسب هذا الرفع مع فواصل السورة الصوتية التي تنتهي بالألف المدية المهموسة أو الممالة (عَلِيًّا، سَمِيًّا، رَضِيًّا) ليحدث التناغم الصوتي مع الرفعة الروحية الشامخة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير مسألة الرفع بين إدريس وعيسى عليهما السلام:
قد يسأل سائل: ما الفرق بين رفع إدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} ورفع عيسى {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}؟
والمحاكمة العقدية تبين الفارق الدقيق:
عيسى عليه السلام رُفع حياً بجسده وروحه إلى السماء الثانية وهو حي لم يمت بعد، وسينزل إلى الأرض في آخر الزمان حكماً عدلاً فيموت ويدفن.
أما إدريس عليه السلام فقد مات وقُبضت روحه، ومقره الذي رآه فيه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في السماء الرابعة هو مقر روحه الشريفة في البرزخ في أعلى عليين مع الملأ الأعلى؛ فرفعه كان تكريماً لروحه ومقامه في جنات النعيم.
إسناد الرفع إلى نون العظمة الإلهية {وَرَفَعْنَاهُ}: دلالة على أن الرفعة منحة واصطفاء رباني لا يملكه أحد من الخلق، فإذا رفع الله عبداً فلا خافض له.
التنكير في «مَكَانًا عَلِيًّا»: للتعظيم وتفخيم الشأن؛ مكاناً لا تحيط العقول بوصف جلاله وقربه من رضوان الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص في نفس المؤمن حقيقة قرآنية ثابتة: «العلو الحقيقي هو علو الإيمان والعمل الصالح»؛ فالناس في الدنيا يتنافسون على رفعة المناصب الطينية الزائلة، أما أهل النبوة والصديقية فمقامهم المكان العلي عند مليك مقتدر.
ومن داوم على طاعة الله رزقه الله الرفعة في قلوب الخلق والمقام الرفيع يوم القيامة: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}.