يخبر الله تعالى عن ضلال المشركين وسفاهة عقولهم؛ حيث عبدوا مع الله أوثاناً وأصناماً وأرباباً متفرقة من دونه، وعللوا باطلهم وظنوا في وهمهم أن تلك الآلهة المزعومة ستكون لهم مصدر عزة ومنعة وشرف وقوة في الدنيا، وتشفع لهم عند الله وتدفع عنهم العذاب في الآخرة.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 601)مصدر غير محدد١٥/٦٠١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}: «أي ليمتنعوا بهم من عذاب الله، ويكونوا لهم شفعاء وأنصاراً يعتزون بهم في الدنيا والآخرة؛ ظنوا أن الأصنام تعز عابديها وتدفع عنهم المكاره».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 254)مصدر غير محدد٥/٢٥٤ أن المشركين اتخذوا الآلهة لطلب العزة والمنعة، كما قال تعالى في سورة يس: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}، فبين الله أن هذا الوهم هو عين الخذلان والضلال؛ فالذي يطلب العزة من غير الله لا يزيده الله إلا ذلاً وهواناً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَاتَّخَذُوا»: الاتخاذ هو افتعال الشيء واعتقاده واصطناعه لنفسه رغبة فيه.
«مِن دُونِ اللَّهِ»: الدون في اللغة هو غير الشيء الأدنى منه؛ والمراد معبودات متجاوزة للحق لا تملك شيئاً.
«آلِهَةً»: جمع إله، وهو المعبود المحبوب المعظم بحق أو بباطل؛ وسموها آلهة افتراءً.
«عِزًّا»: العز والمنعة والقوة والرفعة والانتصار؛ والعز ضد الذل.
الإعراب:
«وَاتَّخَذُوا»: الواو استئنافية، اتخذوا فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
«مِن دُونِ اللَّهِ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من آلهة، واسم الجلالة مضاف إليه.
«آلِهَةً»: مفعول به أول لـ (اتخذوا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
«لِّيَكُونُوا»: اللام لام التعليل، يكونوا فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون والواو اسمها يعود على الآلهة (وجُمعت جمع العقلاء لكونهم أنزلوها منزلة العقلاء وعبدوها).
«لَهُمْ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من عزاً أو بـ (عزاً).
«عِزًّا»: خبر يكون منصوب بالفتحة الظاهرة، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ (اتخذوا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يعرض أصل الوهم البشري في الشرك؛ فالمشرك لا يعبد الصنم لمجرد صورته، بل يعبده بدافع نفسي خفي وهو: «البحث عن العزة والمنعة والأمان»؛ ولما كان هذا الباعث فاسداً مناقضاً لتوحيد الله العزيز القهار، عاجله القرآن بالإبطال الحاسم في الآية التالية تماماً.
وجمع ضمير الآلهة في قوله {لِّيَكُونُوا} جمع من يعقل تهكماً بعقولهم؛ لأنهم عاملوها معاملة العقلاء القادرين على النصر والعزة وهي أحجار خرساء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة طلب العزة من المخلوقين والجمادات:
يحاكم القرآن منطق الشرك بالبرهان العقلي القطعي: إن العزة كلها لله وحده: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}؛ فالمخلوق مهما علا شأنه ضعيف عاجز، فكيف بالجماد والأوثان والأموات؟!
فمن التمس العزة عند غير الله ألبسه الله ثوب الذل، ومن اعتز بالأسباب الزائلة سقط معها عند أول ابتلاء؛ فالعزة الحقيقية لا تنال إلا بالعبودية لله العزيز الحكيم.
البلاغة في التعبير بالمصدر «عِزًّا»: جعلوها نفس العز مبالغة في تعلقهم بها وظنهم الفاسد أنها تحميهم من مصائب الدهر.
اللام في «لِّيَكُونُوا»: لام العاقبة والصيرورة في الحقيقة، وإن كانت في ظنهم لام التعليل؛ لأن عاقبة هذا الاتخاذ لم تكن إلا الذل والهلاك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص الأمة على الاعتزاز بالله وحده ورسوله والمؤمنين: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}؛ فلا يطلب المسلم العزة بالتبعية لأعداء الله، ولا بالتماس الرضا من قوى الطغيان الباطلة.
كما يعلمنا التوكل الخالص على الله؛ فكل ما يُعبد ويُعتمد عليه من دون الله من أموال وسلطات وقوى مادية هو وهم وسراب يخذل صاحبه في أحلك اللحظات.