يأمر الله تبارك وتعالى نبيه ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتلو على الناس ويذكر في هذا القرآن المحكم خبر مريم البتول ابنة عمران، حين انفردت واعتزلت أهلها وعشيرتها وتوجهت نحو مكان شرقي من بيت المقدس للعبادة والتطهر والتبتل لله تعالى.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 474)مصدر غير محدد١٥/٤٧٤ عن قتادة والسدي في قوله: {إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} قالا: «تنحت واعتزلت من أهلها إلى مكان في شرقي بيت المقدس؛ وقيل: خرجت لقضاء حاجة أو للاغتسال والتطهر من الحيض».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 221)مصدر غير محدد٥/٢٢١ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى: {إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا}، فاتخذوا ميلاد عيسى ومصلى مريم قبلة يتوجهون إليها». وكانت مريم عليها السلام نذرتها أمها محررة لخدمة بيت المقدس، فكانت مقيمة في المحراب عاكفة على الصلاة والذكر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَاذْكُرْ»: فعل أمر من الذكر، والمراد به تلاوة نبئها وإبلاغ خبرها للأمة تخليداً لطهارتها واقتداءً بعبوديتها.
«الْكِتَابِ»: القرآن الكريم، وسمي كتاباً لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ ومسطور في الصحف ومجموع بين الدفتين.
«انتَبَذَتْ»: الانتباذ في اللغة هو التنحي والاعتزال والانفراد في ناحية؛ يقال: نبذ الشيء ينبذه إذا طرحه وألقاه، وانتبذ القوم إذا اعتزلهم في موضع قاصٍ.
«مَكَانًا شَرْقِيًّا»: المكان الشرقي هو الجهة الشرقية من المسجد الأقصى أو من دار أهلها، وشَرقيّ اسم منسوب إلى الشرق وهو مطلع الشمس.
الإعراب:
«وَاذْكُرْ»: الواو استئنافية، اذكر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
«فِي الْكِتَابِ»: جار ومجرور متعلق بـ (اذكر) أو بمحذوف حال من مريم.
«مَرْيَمَ»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.
«إِذِ»: اسم ظرفي مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، في محل نصب بدل اشتمال من (مريم)؛ أي اذكر وقت انتباذها، أو متعلق بـ (اذكر).
«انتَبَذَتْ»: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ (إذ).
«مِنْ أَهْلِهَا»: جار ومجرور متعلق بـ (انتبذت)، والهاء مضاف إليه.
«مَكَانًا»: ظرف مكان منصوب أو مفعول به على السعة للفعل (انتبذت)؛ أي اتخذت مكاناً.
«شَرْقِيًّا»: نعت لـ (مكاناً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الانتقال البديع من قصة زكريا ويحيى عليهما السلام إلى قصة مريم وعيسى عليهما السلام يمثل قمة التناسب القرآني؛ فقصة زكريا كانت تمهيداً وتوطئة لإدراك خوارق القدرة الإلهية، فلما قرر القرآن إيجاد ولد من شيخ هرم وامرأة عاقر بين أبوين، ارتقى بالسياق إلى المعجزة الكبرى وهي إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر ولا فحل؛ ليتدرج الذهن البشري من العجيب إلى الأعجب، وتستقر حقيقة طلاقة المشيئة الإلهية في النفوس.
وتسمية السورة بسورة «مريم» وافتتاح قصتها بالأمر بالذكر يؤكد مكانتها الفريدة في نساء العالمين؛ حيث كرمها الله بنسبتها إلى هذا الحدث العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة اتخاذ النصارى المشرق قبلة وتصحيح انحرافهم:
اتخذ النصارى جهة المشرق قبلة تعبدية يشرّقون إليها في صلواتهم، زاعمين أن مريم انتبذت إلى المشرق تعظيماً لذات الجهة أو أن النور بزغ منها.
والمحاكمة الشرعية تدحض هذا الغلو؛ فمريم عليها السلام إنما ذهبت جهة الشرق إما طلباً لستر جدران المحراب الشرقية للاغتسال والخلوة، أو لكون حجرتها في ذلك الجانب، ولم تأمر باتخاذ المشرق قبلة قط، ولم يعبد الأنبياء الجهات؛ وإنما قبلة الرسل جميعاً هي البيت الحرام وما أُمروا به بوحي الله، فأخذ النصارى العادة وجعلوها ديناً مبتدعاً كعادتهم في تحريف النبوات.
البلاغة في التعبير بـ «انتَبَذَتْ»: صيغة الافتعال تدل على تعمد الانفراد والحرص على الاختلاء التام، وإلقاء شواغل الدنيا وراء الظهر انقطاعاً لله تبارك وتعالى.
إفراد مريم بالذكر في الكتاب: تصدير قصتها بـ {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} تنويه قرآني خالد يرفع ذكرها فوق افترءات اليهود الحاقدين الذين رموها بالبهتان العظيم، ويكشف نقاءها وطهارتها لكل قارئ ومؤمن إلى قيام الساعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يرشدنا اعتزال مريم عليها السلام إلى أهمية «العزلة الإيمانية المؤقتة» لتصفية القلب وتجديد الصلة بالله؛ فالعبد المؤمن والداعية يحتاج إلى أوقات يخلو فيها بربه بعيداً عن صخب الحياة وضجيج المخالطين، ليتزود باليقين والخشوع.
كما يعلم المرأة المسلمة الحياء والستر التام وحب الطهارة والعفاف؛ فمريم البتول كانت رمزا للعفة والصيانة والتبتل الخالص لرب العالمين.