يصور القرآن الكريم غرور كفار قريش ومشركي العرب بمظاهر الدنيا الزائلة؛ فحين تتلى عليهم آيات القرآن الواضحة البينات الدالة على التوحيد والبعث، يعرضون عن براهينها وحججها، ويلجؤون إلى المفاخرة المادية بمنازلهم وثرواتهم ومجالسهم، قائلين للمؤمنين المستضعفين (كعمار، وبلال، وصهيب، وابن مسعود): أينا خير منزلاً وأبهى قصراً وأحسن مجلساً ومجمعاً: أنحن أم أنتم؟! زاعمين أن تفوقهم المادي في الدنيا دليل على أنهم على الحق في الآخرة.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 586)مصدر غير محدد١٥/٥٨٦ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا}: «المقام: المسكن والمنزل؛ والنديّ: المجلس والنادي الذي يجتمع فيه القوم؛ افتخر كفار قريش على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برياشهم وثيابهم الفاخرة ومجالسهم المزخرفة، ورأوا أصحاب النبي في فقر وضيق عيش، فقالوا: لو كان هذا الدين حقاً لكنا أولى بالخير منكم».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 251)مصدر غير محدد٥/٢٥١ عن السدي أن كفار قريش كالنضر بن الحارث وأبي جهل كانوا يجلسون في دار الندوة في أبهة ورياش، وكان المؤمنون يجتمعون في دار الأرقم مستخفين فقراء، فافتخر المشركون بمجالسهم وجعلوا مقياس الحق هو الترف الدنيوي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«بَيِّنَاتٍ»: واضحات الدلالة مفصلات الأحكام لا غموض فيها.
«مَّقَامًا»: المقام هو موضع القيام والإقامة والمسكن؛ وقرئ {مُقَاماً} بضم الميم من الإقامة.
«نَدِيًّا»: النادي والنديّ هو المجلس الذي يجتمع فيه القوم للحديث والسمر؛ ولا يسمى نادياً حتى يكون فيه أهله وجلساؤه؛ ومنه «دار الندوة» بمكة؛ وندا القوم إذا اجتمعوا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يبرز التناقض الصارخ في مقاييس القيم بين أهل الإيمان وأهل الكفران؛ فالمؤمنون يحتجون بالآيات البينات والوحي الصادق، والكافرون يردون بالمنازل الفاخرة والمجالس المترفة {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا}؛ لبيان ضحالة تفكير المشركين وعجزهم التام عن منازلة الحجة بالحجة.
واستعمال لفظ «النَّدِيّ» يصور طبيعة المجالس الجاهلية التي تقوم على التفاخر بالجاه والتباهي بالأنساب والملذات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض مغالطة قياس الحق على التفوق المادي الدنيوي:
تقع العقول الجاهلية في كل عصر في مغالطة فاسدة: وهي اعتبار «النجاح المادي والوفرة الاقتصادية دليلاً على صحة المذهب ورضا الله»!
والقرآن الكريم يحاكم هذه الشبهة التافهة ويبطلها: إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء؛ فمتاع الدنيا عرض زائل يستدرج الله به الظالمين، ومقياس الكرامة عند الله هو التقوى والعمل الصالح: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
الاستفهام التقريري التباهي في «أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ»: أسلوب تباهٍ وغرور؛ أرادوا به إلزام المستضعفين بالاعتراف بفقرهم ودنو منازلهم في الدنيا.
التنكير في «مَّقَامًا» و«نَدِيًّا»: لإطلاق الوصف في كل أنواع الترف الدنيوي الزائل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يثبت هذا النص قلوب الدعاة والمؤمنين المستضعفين في مواجهة استعلاء المترفين وأصحاب النفوذ الدنيوي؛ فلا ينبغي للمؤمن أن يستوحش من قلة ذات اليد، ولا أن يغتر ببريق أموال الفاسقين وقصورهم؛ فالحق يعلو ولا يُعلى عليه.
كما يعلمنا تطهير مجالسنا وأنديتنا لتكون مجالس علم وذكر وتقوى، لا مجالس لهو وتبذير وتفاخر بالباطل.