يختم الله تعالى قصة يحيى عليه السلام بأعظم أمان وبشارة وضمانة؛ حيث أنزل عليه السلام والأمان التام من الله تعالى في المواطن الثلاثة الكبرى الموحشة التي يقف فيها الإنسان ضعيفاً أعزل: يوم يولد فيخرج إلى دار النصب والابتلاء، ويوم يموت فيفارق الدنيا إلى دار البرزخ والوحشة، ويوم يبعث حياً فيقوم للعرض والحساب أمام جبار السماوات والأرض.
روى الطبري (ج 15، ص 472)مصدر غير محدد١٥/٤٧٢ وابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: «أوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن: يوم يُولد فيخرج من الظلمات إلى النور ويرى ما لم يكن عهد، ويوم يموت فيفارق أهله وقرابته ويدخل القبر منفرداً، ويوم يبعث حياً فيرى الجمع العظيم والأهوال الجسام؛ فأكرم الله يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه في هذه المواطن الثلاثة، فأمنه من كل فزع».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 220)مصدر غير محدد٥/٢٢٠ أن هذا السلام سلام من الله تعالى، يتضمن الأمان والسلامة من همزات الشياطين عند الولادة، والسلامة من فتنة القبر وعذاب البرزخ عند الوفاة، والسلامة من الفزع الأكبر وأهوال المحشر يوم القيامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«سَلَامٌ»: مصدر سَلِمَ، ويدل على السلامة والأمان والعافية المطلقة من كل آفة ومكروه؛ وهو تحية أهل الجنة، واسم من أسماء الله الحسنى.
«يَوْمَ»: ظرف زمان، مضاف إلى الجمل الفعلية بعده؛ والمراد به الحين والوقت الذي تقع فيه تلك التحولات الوجودية الكبرى في مسيرة الإنسان.
«يُبْعَثُ»: البعث هو النشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد الموت للجزاء والحساب.
«حَيًّا»: حال منصوبة من نائب الفاعل في (يبعث)؛ أي يبعث متلبساً بالحياة الأبدية الخالدة في النعيم المقيم.
الإعراب:
«وَسَلَامٌ»: الواو استئنافية، سلام مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وسوغ الابتداء بالنكرة كونها دالة على الدعاء والثناء العظيم.
«عَلَيْهِ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ في محل رفع.
«يَوْمَ وُلِدَ»: يوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ (سلام) أو بمحذوف استقرار الخبر، ولد فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية في محل جر مضاف إليه.
«وَيَوْمَ يَمُوتُ»: معطوف على الأول، يموت فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر، والجملة مضاف إليه.
«وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»: معطوف، يبعث فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر، حياً حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الختام القرآني لقصة يحيى عليه السلام يمثل ذروة التكريم والأمان الإلهي؛ فبعد أن استعرض النص صفاته الذاتية والأخلاقية والرسالية العظيمة، توّج ذلك بإحاطته بسياج من السلامة الربانية المحيطة التي تستغرق رحلته الوجودية كلها: من المبدأ (الولادة)، إلى البرزخ (الموت)، إلى المعاد الأبدي (البعث).
وسيتكرر هذا المعنى النظمي الباهر في قصة عيسى عليه السلام في الآية (33) حين يقول بلسانه في المهد: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}، فكان السلام على يحيى من كلام الله تعالى خبراً وإكراماً، وعلى عيسى بلسانه إعلاناً وتحدياً وتبرئة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم التناقض بين السلام عليه واستشهاده مقتولاً:
قد يثير بعض الجهلة شبهة: كيف يقال: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ... وَيَوْمَ يَمُوتُ} وقد ورد في الآثار والتاريخ أن يحيى عليه السلام قتله ملك ظالم بطلب من بغي فاجرة وقُدم رأسه في طست؟ فأين السلام في هذا الموت الأليم؟
والمحاكمة العقدية السلفية تبطل هذه الشبهة الفاسدة:
أن السلام ليس معناه السلامة من أسباب الموت أو القتل في سبيل الله؛ فإن الشهادة أعظم كرامة ينالها الأنبياء والصديقون، وقد قتلت بنو إسرائيل كثيراً من الأنبياء كما ذكر القرآن في غير ما موضع.
وإنما السلام هو سلامة الروح من الفتن والشكوك والجزع، وسلامة العاقبة من عذاب القبر وأهواله، وتلقي الملائكة له بالبشرى والرضوان ونيل مقام الشهداء في أعلى عليين؛ فالقتل في سبيل الله سلام وأمان ورفعة درجات، وليس خذلاناً ولا عذاباً.
تنكير «سَلَامٌ»: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي سلام عظيم كامل محيط لا كدر فيه ولا انقطاع، من رب السلام جل جلاله.
الحصر الزمني للمواطن الثلاثة: اختيار هذه المحطات الثلاث دون غيرها؛ لأنها المحطات الحتمية الفاصلة التي لا يملك فيها الإنسان لنفسه حيلة ولا ناصراً من الخلق، فالأمان فيها هو الأمان الحقيقي المطلق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا الختام طمأنينة عميقة في نفس المؤمن؛ فالذي يرجوه العبد في هذه الحياة ليس السلامة من تقلبات الدنيا وأوجاعها الفانية، وإنما يرجو الأمان الرباني عند خروج الروح، وعند السؤال في القبر، وعند الوقوف بين يدي الله يوم القيامة.
والسبيل إلى نيل هذا السلام هو لزوم هدي يحيى عليه السلام: أخذ الكتاب بقوة، والتزود بالحنان والتقوى وبر الوالدين والتبرؤ من الكبر والجبروت.