حين طابت نفس مريم وقرت عينها بالآيات الإلهية والرزق الرغيد والأمان الرباني، أقبلت راجعة إلى قومها في بيت المقدس وهي تحمل رضيعها على ذراعيها علانية دون مواربة ولا خفاء، مستندة إلى براءتها الإلهية ويقينها بربها، فلما رآها بنو إسرائيل تحمل ولداً وهي العذراء المنذورة للعبادة في المحراب أصابتهم الدهشة العارمة وصاحوا بها مستنكرين: لقد أتيت أمراً منكراً عظيماً وبدعاً من الشر مفترى!
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 498)مصدر غير محدد١٥/٤٩٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} قالوا: «أي أمراً عظيماً منكراً؛ يقال: فريت الشيء إذا قطعته، وفلان يَفْري الفَرِيّ إذا أتى بالعجب من الشر أو الخير؛ والمراد هنا: أمراً بديعاً منكراً من الفاحشة في ظنهم الباطل».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 228)مصدر غير محدد٥/٢٢٨ أن مجيئها تحمله بين يدي قومها كان دليلاً ساطعاً على صدقها وطهارتها؛ لأن المذنبة المرتكبة للفاحشة تفر بولدها وتخفيه وتستتر عن عيون العشيرة حياءً وخوفاً، أما مريم الصديقة فجاءت تحمله بين يديها على رؤوس الأشهاد، لعلمها أن الذي وهبها إياه بلا فحل سيتولى نصرها وإظهار برهانها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«فَأَتَتْ بِهِ»: الباء للمصاحبة؛ أي جاءت مصاحبة له تحمله، والضمير يعود إلى عيسى عليه السلام.
«تَحْمِلُهُ»: الحمل رفعه على اليدين والصدر، والجملة في محل نصب حال مؤكدة لشجاعتها وبراءتها.
«فَرِيًّا»: فَعِيل من الفَرْي وهو القطع والشق؛ وفَرَى كذباً إذا اختلقه؛ والشيء الفَرِيّ هو الأمر العظيم الذي فاق الحد في النكارة والشناعة، كأنه يقطع القلوب من هوله وعجبه.
الإعراب:
«فَأَتَتْ»: الفاء استئنافية أو عاطفة، أتت فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي.
«بِهِ»: جار ومجرور متعلق بـ (أتت) أو بمحذوف حال.
«قَوْمَهَا»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة لـ (أتت) على السعة، والهاء مضاف إليه.
«تَحْمِلُهُ»: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والهاء مفعول به في محل نصب، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير مريم.
«قَالُوا»: فعل وفاعل.
«يَا مَرْيَمُ»: يا حرف نداء، مريم منادى مبني على الضم في محل نصب.
«لَقَدْ»: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
«جِئْتِ»: فعل وفاعل (التاء ضمير متصل مبني على الكسر في محل رفع فاعل).
«شَيْئًا»: مفعول به لـ (جئت) أو مفعول مطلق نائب عن المصدر؛ أي مجيئاً فرياً، منصوب بالفتحة الظاهرة.
«فَرِيًّا»: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يصور مشهد المواجهة الكبرى بين الحقيقة الإلهية والأحكام البشرية الظاهرية؛ فمريم تدخل المدينة بلا حرس ولا سند بشري، متسلحة برضيعها وصمتها المنذور، والقوم يقابلونها بأقسى ألفاظ التقريع والتجريح {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}.
وتصدير الخطاب باسمها {يَا مَرْيَمُ} يحمل نبرة العتاب والتقريع لشخصيتها المعروفة عندهم بالصلاح والعبادة في المحراب؛ فكأنهم يقولون: يا من كنا نضرب بك المثل في الطهر، كيف أقدمت على هذا المنكر العظيم؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة التسرع البشري في إطلاق الأحكام الظالمة:
يعالج القرآن هنا داءً اجتماعياً خطيراً يقع فيه الناس دائماً، وهو: التسرع في إدانة الأبرياء بناءً على الظواهر المجردة قبل التثبت والتحقق من الحقائق؛ فقوم مريم حكموا عليها بالفاحشة بمجرد رؤية الرضيع دون أن يسألوها أو يتبينوا الأمر.
وهذا السلوك البشري المتسرع يدحضه الشرع الإسلامي الذي وضع حد القذف، وحرم سوء الظن بالمؤمنين والمؤمنات، وأمر بالتثبت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، فكم من بريء طاهر رماه الناس بالبهتان لجهلهم بحقيقة ما نزل به من أقدار الله.
البلاغة في قوله {تَحْمِلُهُ}: تقييد الإتيان بحال الحمل {تَحْمِلُهُ} يبرز براءتها وتحديها الصامت؛ فالخاطئ يحاول إخفاء ثمرة خطيئته، بينما هي ترفعه على يديها مقبلة به على القوم، مما يحمل قرينة حالية قاطعة على يقينها بنقاء ساحتها.
التوكيد بالقسم وقد في {لَقَدْ جِئْتِ}: يعكس شدة الصدمة والذهول التي أصابت القوم حين عاينوا المشهد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا الموقف المؤمنين على الشجاعة في مواجهة المجتمع بالحق؛ فإذا كان العبد على يقين من طهارته واستقامته فلا يضره لغط الخائضين ولا صياح المبطلين، بل يثبت في مكانه ويفوض أمره إلى مولاه.
كما يحذر من تداول الشائعات والطعن في الأعراض؛ فإن اتهام الغافلات المؤمنات من كبائر الموبقات التي توجب سخط الجبار ولعنته في الدنيا والآخرة.