يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحذر الناس وينذرهم من أهوال «يوم الحسرة»؛ وهو يوم القيامة حين يقضي الله أمره الفاصل بالجنة لأهل الإيمان وبالنار لأهل الكفران، وحين يُذبح الموت على الصراط فينقطع أمل أهل النار في الخروج، وتتحسر النفوس المفرطة على ما ضيعت في جنب الله، وهم اليوم في دار الدنيا في غفلة ساهون، وفي شك لا يؤمنون بالمعاد.
روى البخاري في صحيحه (رقم 4730)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٣٠ ومسلم (رقم 2849)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٤٩ واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُجَاءُ بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}».
وروى الطبري (ج 15، ص 521)مصدر غير محدد١٥/٥٢١ عن ابن مسعود وابن عباس في قوله: {إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ}: «أي فُرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فلا يبقى لأهل النار رجاء في فرج ولا توبة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَأَنذِرْهُمْ»: الإنذار هو الإبلاغ المقرون بالتخويف والتحذير قبل وقوع المخوف بفترة تتسع للتدارك.
«يَوْمَ الْحَسْرَةِ»: الحسرة هي أشد الندم وتلهف النفس على فوات ما لا يمكن تداركه؛ يقال: حَسِرَ يحسَرُ حسرةً إذا انقطع ظهره وتندم ندماً يحرق قلبه.
«قُضِيَ الْأَمْرُ»: فُرغ من الحكم وقُسم الخلائق إلى شقي وسعيد وخُتمت الصحف.
«غَفْلَةٍ»: الغفلة هي سهو القلب عن الشيء الواجب تذكره مع توفر أسبابه.
الإعراب:
«وَأَنذِرْهُمْ»: الواو عاطفة، أنذر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، وهم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول.
«يَوْمَ»: مفعول به ثانٍ لـ (أنذرهم) منصوب بالفتحة الظاهرة على تضمين أنذر معنى حذّر؛ أو ظرف زمان.
«الْحَسْرَةِ»: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
«إِذْ»: اسم ظرفي مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من (يوم الحسرة)؛ أي وقت قضاء الأمر.
«قُضِيَ الْأَمْرُ»: فعل ماض مبني للمجهول، والأمر نائب فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ (إذ).
«وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ»: الواو حالية، هم ضمير منفصل مبتدأ، في غفلة جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة حالية من مفعول (أنذرهم) في الدنيا؛ أي أنذرهم حال كونهم في الدنيا غافلين.
«وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»: معطوف على الجملة الحالية؛ لا نافية، يؤمنون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة خبر هم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا النظم وقعاً على القلوب الحية! فالله سبحانه يسمي ذلك اليوم باسم أخص مشاعره وأثقلها وطأة على النفس المعذبة: «يَوْمَ الْحَسْرَةِ»؛ لتجسيد هول المشهد النفسي للأشقياء.
والمقابلة النظمية بين {قُضِيَ الْأَمْرُ} وبين {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} تكشف عمق التناقض بين الواقع والمآل؛ فالمستقبل محتوم مفروغ منه، والناس يغطون في نوم عميق من اللهو والغفلة والشك، فجاء الإنذار النبوي ليهز القلوب هزة عنيفة قبل فوات الأوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة عموم الحسرة وتبيان موضع حسرة المحسنين:
قد يسأل سائل: هل الحسرة خاصة بالكافرين أم تعم جميع الخلائق حتى المؤمنين؟
والمحاكمة التفسيرية تبين أن الكافرين يتحسرون حسرة الهلاك والدمار على كفرهم وتفريطهم، أما أهل الإيمان فيتحسرون حسرة غبطة وأسف على ساعات خلت في الدنيا لم يزدادوا فيها من ذكر الله ورفع الدرجات؛ كما ثبت في الأثر: «ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها». فالحسرة الكبرى القاتلة هي حسرة أهل النار التي لا تنقطع أبداً بعد ذبح الموت.
إضافة اليوم إلى «الْحَسْرَةِ»: إضافة بيانية تفيد تمكن الوصف واستغراقه لليوم كله؛ فكأن اليوم نفسه تجسد في صورة حسرة مطلقة تحيط بالمجرمين من كل جانب.
التنكير في «غَفْلَةٍ»: لإفادة التعظيم والتهويل لشناعة هذه الغفلة؛ غفلة تامة مستحكمة تسد منافذ العقل وتمنع من تدبر الآيات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يوجب هذا النص على كل مؤمن أن يستيقظ من غفلته قبل أن يقضى الأمر وتطوى الصحف؛ فكل نفس تخرج من الدنيا تبكي ندماً: إن كانت مسيئة لم لم تُحسن، وإن كانت محسنة لم لم تستزد.
ويرشد الدعاة إلى الله إلى استحضار وظيفة «الإنذار» والتخويف بيوم القيامة؛ فإن القلوب إذا طال عليها الأمد قست ولم يرققها إلا التذكير بالموت والوقوف بين يدي الجبار.