شرع النص القرآني في بيان تفاصيل المناجاة التي تضرع بها زكريا عليه السلام؛ حيث قدم بين يدي مسألته اعترافاً كاملاً بالضعف والعجز وانحلال القوى، مستحضراً سوابق نعم ربه عليه بالاستجابة واللطف.
روى الطبري (ج 15، ص 448)مصدر غير محدد١٥/٤٤٨ عن مجاهد وابن عباس في قوله: {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} قالا: «ضعف ونحل ورَقَّ». وعن قتادة في قوله: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}: «أي ابيضّ من الكبر».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 213)مصدر غير محدد٥/٢١٣ في معنى {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}: «أي لم أعهد منك يا رب إلا الإجابة والإحسان؛ فكلما دعوتك استجبت لي ولم تخيب رجائي قط، ولم أكن بدعائي إياك محروماً ولا مطروداً؛ بل عودتني اللطف والجميل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَهَنَ»: الوهن هو الضعف والنقص والتراجع في القوة، وخص «العَظْمَ» بالذكر لأنه عماد البدن وحامله وأصلب ما فيه؛ فإذا وهن العظم وتخلخل، كان ما سواه من العضل واللحم والقوى أوهن وأضعف.
«اشْتَعَلَ»: استعارة تصريحية أو مكنية بليغة مستمدة من اشتعال النار؛ حيث شبه انتشار الشيب الأبيض في سواد شعر الرأس كاشتعال النار وسريانها السريع في الحطب والهشيم.
«شَيْبًا»: تمييز منصوب، محول عن الفاعل؛ والأصل: واشتعل شيبُ الرأسِ، فحول الإسناد إلى الرأس للمبالغة في شمول الشيب واستيعابه.
«شَقِيًّا»: الشقاء ضد السعادة، والمراد هنا: لم أكن محروماً من إجابتك خائباً من فضلك.
الإعراب:
«قَالَ»: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
«رَبِّ»: منادى بحرف نداء محذوف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والكسرة دليل عليها.
«إِنِّي»: إن واسمها في محل نصب.
«وَهَنَ الْعَظْمُ»: فعل وفاعل، وجملة وهن العظم خبر إن.
«مِنِّي»: جار ومجرور متعلق بـ (وهن) أو بمحذوف حال من العظم.
«وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا»: الواو عاطفة، اشتعل فعل ماض، الرأس فاعل، شيباً تمييز منصوب.
«وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا»: الواو عاطفة أو حالية، لم حرف نفي وجزم وقلب، أكن فعل مضارع ناقص مجزوم بالسكون وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، واسمها ضمير مستتر تقديره أنا، بدعائك جار ومجرور متعلق بـ (شقياً)، ربي منادى معترض، شقياً خبر أكن منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني آية في الأدب النبوي الرفيع مع الله عند السؤال؛ فإنه لم يبدأ مباشرة بطلب الولد، بل بدأ بالتمهيد المتمثل في:
إظهار الضعف التام والفقر المطلق لله.
تصوير الشيخوخة وانقطاع الحيل البشرية المعتادة.
التوسل بنعم الله السالفة وسوابق فضله وإجابته؛ لأن من شأن الكريم إذا عود عبده الإحسان أن يتمم له المعروف.
وتكرار نداء الرب {رَبِّ} مرتين في آية واحدة: في أولها {قَالَ رَبِّ} وفي ختامها {بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} يعكس اضطراب القلب المشتاق وشدة التعلق برحمة الرب المنعم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الشكوى المنافية للصبر:
قد يظن غافل أن قول زكريا {إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} من قبيل الشكوى أو التسخط على قدر الكبر والشيخوخة، والشكوى للمخلوق مذمومة.
والتحقيق العقدي يدحض هذا اللبس؛ فالشكوى إلى الله والتذلل بين يديه بإظهار العجز والفاقة والمرض ليس تسخطاً، بل هو عين العبودية وروح الافتقار وغاية التضرع المحمود؛ فالعبد لا يشتكي من ربه، وإنما يبث ضعفه إلى ربه ليستنزل رحمته وقوته، كما قال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
بلاغة الاستعارة في {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}:
اعتبر أئمة البلاغة كعبد القاهر الجرجاني والزمخشري وابن الأثير هذه الجملة من أعلى ذرى البلاغة الإعجازية في القرآن؛ إذ عبر عن بياض الرأس بالاشتعال، لما في بياض الشيب من البريق والانتشار السريع في سواد الشعر، كما تلتهب النار في الوقود.
وإسناد الاشتعال إلى «الرأس» كله بدلاً من الشعر أفاد استيعاب الشيب لجميع جوانب الرأس حتى لم يبق فيه موضع لسواد، وذلك أبلغ تمثيل للشيخوخة الكاملة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يعلمنا زكريا عليه السلام فقه التوسل المشروع بالضعف؛ فأعظم باب يدخل منه العبد على ربه هو باب الافتقار والانكسار، وإلقاء السلاح النفسي والحول والقوة.
كما يعلمنا حسن الظن بالله واستحضار تاريخ الإجابة؛ فالمؤمن الصادق إذا دعا ربه تذكر كم من كربة فرجها الله عنه، وكم من عسير يسره، فيقوى رجاؤه ويستحي من اليأس، ويقول بلسان حاله ومقاله: «لم أكن بدعائك رب شقياً».