يبدأ القرآن في تفصيل مناظرة الخليل إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر؛ حيث خاطبه بأعذب أسلوب وأرق عبارة محببة للنفوس: {يَا أَبَتِ}، مناقشاً إياه بحجة عقلية فطرية بديهية: كيف تعبد حجارة منحوتة وأصناماً خرساء لا تسمع دعاءك، ولا تبصر عبادتك، ولا تدفع عنك ضراً ولا تجلب لك نفعاً؟!
روى الطبري (ج 15، ص 526)مصدر غير محدد١٥/٥٢٦ عن قتادة ومجاهد والسدي في قوله: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا}: «بين لأبيه عجز هذه الأوثان التي ينحتونها بأيديهم ثم يسجدون لها؛ فهي جمادات ميتة فاقدة للسمع والبصر، وعاجزة عن حماية نفسها فضلاً عن أن تغني عن عابدها شيئاً من نفع أو ضر».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 235)مصدر غير محدد٥/٢٣٥ عن أئمة التفسير أن إبراهيم عليه السلام كان في غاية الأدب والبر بأبيه المشرك؛ فلم يعنفه ولم يشتمه، بل ناداه بالبنوة الحانية {يَا أَبَتِ}، ودعاه بالبرهان العقلي الفطري؛ ليري عقول العقلاء قبح عبادة الأصنام التي هي أدنى رتبة من عابديها؛ إذ العابد يسمع ويبصر، والمعبود أصم أعمى!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«إِذْ»: اسم ظرفي للزمان الماضي، متعلق بـ (اذكر) أو بـ (صديقاً نبياً).
«يَا أَبَتِ»: نداء تلطف ورقة ومحبة؛ والتاء عوض عن ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف والإكرام؛ وأصله: يا أبي.
«لِمَ»: أداة استفهام للتعليل والتوبيخ والإنكار العقلي؛ وأصلها (لِما) حذفت ألفها لدخول حرف الجر اللام عليها وجوباً.
«لَا يُغْنِي»: الإغناء دفع الحاجة وجلب الكفاية؛ والمعنى: لا يدفع عنك أدنى سوء ولا يسوق إليك أدنى خير.
الإعراب:
«إِذْ قَالَ»: إذ ظرف زمان مبني على السكون، قال فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة مضاف إليه.
«لِأَبِيهِ»: جار ومجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
«يَا أَبَتِ»: يا حرف نداء، أبتِ منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة تاء، والتاء كسرت للدلالة على الياء المحذوفة.
«لِمَ»: اللام حرف جر، ما استفهامية مبنية في محل جر وحذفت ألفها، والجار والمجرور متعلق بـ (تعبد).
«تَعْبُدُ»: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنت.
«مَا»: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (تعبد).
«لَا يَسْمَعُ»: لا نافية، يسمع فعل مضارع والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
«وَلَا يُبْصِرُ»: معطوف على (لا يسمع).
«وَلَا يُغْنِي»: معطوف بالواو.
«عَنكَ»: جار ومجرور متعلق بـ (يغني).
«شَيْئًا»: مفعول به لـ (يغني) أو مفعول مطلق نائب عن المصدر؛ أي إغناءً ما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا النظم في مخاطبة العواطف والعقول معاً!
خاطب العاطفة الفطرية برقة البنوة: {يَا أَبَتِ}.
ثم خاطب العقل البديهي بنفي صفات الألوهية عن الجماد: {مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ}.
ثم خاطب المصلحة الذاتية والمنفعة: {وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا}.
وهذا التدرج النظمي الثلاثي يسد كل منافذ الشبهة؛ فالإله المعبود لا بد أن يكون سميعاً بصيراً محيطاً، قادراً على نفع عابده ودفع الضر عنه، فإذا عدم هذه الصفات سقطت استحقاقيته للعبادة بالضرورة العقلية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة تقليد الآباء ومحاكمة عبادة الجمادات:
اعتاد المشركون في كل عصر أن يبرروا شركهم بتقليد الآباء والأجداد: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}.
والقرآن يقدم هنا المحاكمة العقلية الخالدة بلسان إبراهيم: إن العبادة تقتضي خضوع الأدنى للأعلى، فكيف يخضع الإنسان العاقل السميع البصير لحجارة صماء خرساء لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً؟! هذا قلب للحقائق وانتكاس للفطرة السليمة لا يبرره قدم العادة ولا تقليد الأسلاف.
البلاغة في نداء «يَا أَبَتِ»: إيثار هذه الصيغة المتلطفة بدل «يا أبي» أو باسمه المجرد؛ لكسر حدة الجفاء واستدرار عطف الوالد وفتح قلبه للحق.
التنكير في «شَيْئًا»: نفي استغراقي يفيد نفي أدنى ذرة من النفع أو دفع الضر؛ فالصنم عاجز عجزاً كلياً مطبقاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يضع هذا النص منهجاً نبوياً أصيلاً في بر الوالدين حتى لو كانا مشركين أو مقصرين؛ فالدعوة إلى الله تبدأ بالأقربين بأعلى درجات الرفق والأدب واللين، دون ترفع ولا غلظة.
كما يعلم الداعية صياغة الحجج المنطقية المبسطة المستمدة من الواقع الفطري التي يفهمها العامة والخاصة وتلزم المعاند بأيسر طريق.