يبين الله تعالى مصير ما تفاخر به هذا الكافر من المال والولد؛ فنسلبه إياه ونهلكه ونبقى بعده فنرث منه ماله وعقاره وما افتخر به وزعمه، وينتقل الملك كله إلى الله الواحد القهار، ويأتينا هذا الكافر يوم القيامة منفرداً وحيداً؛ بلا مال يعينه، ولا ولد ينصره، ولا عشيرة تحميه، ولا حليف يدفع عنه بأس الله.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 599)مصدر غير محدد١٥/٥٩٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}: «أي نرثه ماله وولده الذي قال إنه يؤتاه في الآخرة وتفاخر به في الدنيا؛ فيسلب ذلك كله ويبقى لله». وفي قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}: «أي يخرج من قبره ويحشر إلى الله فرداً، ليس معه شيء من ماله، ولا أحد من ولده ولا عشيرته، عارياً أعزل لا ناصر له ولا معين».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 254)مصدر غير محدد٥/٢٥٤ عن السلف أن هذا تقرير لحقيقة الوجود الإنساني؛ فكما دخل الإنسان الدنيا فرداً وخرج منها فرداً في كفنه، فكذلك يُحشر يوم القيامة فرداً، كما قال تعالى في سورة الأنعام: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَنَرِثُهُ»: الوراثة سلب الشيء وبقاؤه لله بعد فناء حائزه في الدنيا؛ والهاء مفعول به أول، و«ما» مفعول ثانٍ، أو بدل اشتمال.
«مَا يَقُولُ»: الذي قاله وادعاه من المال والولد.
«فَرْدًا»: منفرداً وحيداً مجرداً من كل سند بشري أو حطام مادي.
الإعراب:
«وَنَرِثُهُ»: الواو عاطفة، نرث فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول في محل نصب.
«مَا»: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ (نرثه)؛ أو بدل اشتمال من الهاء؛ أي ونرث منه ماله وولده.
«يَقُولُ»: فعل مضارع والفاعل مستتر والجملة صلة الموصول.
«وَيَأْتِينَا»: الواو عاطفة، يأتي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره هو، ونا مفعول به.
«فَرْدًا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من فاعل ياتينا؛ أي حال كونه منفرداً وحيداً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ هذا النظم في تحطيم كبرياء الطغاة! فالكافر تفاخر بالأعوان والكثرة: {لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا}، فجاء الرد ليصوره في غاية الضعف والتجرد: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}.
والجمع بين «وراثة الله لأمواله» و«مجيئه فرداً» يوضح مآل الغرور؛ فالأموال التي بخل بها ومنع منها حق الأجير خباب ستؤول إلى الله رغماً عنه، وسيأتي هو خالي الوفاض مفلساً يحمل أوزار الكفر والظلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حقيقة التجرد البشري في المحشر:
تكشف هذه الآية زيف الأنساب والأموال التي يتعالى بها المترفون؛ فالإنسان في الدنيا قد يحتمي بقبيلته أو حراسته أو رصيده المالي، ولكن في ساحة المحشر تنقطع كل الأسباب: {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}، ويقف العبد فرداً وجهاً لوجه أمام الديان، ليس معه إلا عمله؛ فمن أين يأتيه النصر والمال المزعوم؟!
البلاغة في التعبير بـ «فَرْدًا»: لفظة ترسم مشهد الوحشة المطلقة والعري والعجز؛ فمن كان يحيط به الخدم والحشم في دار الدنيا تراه في المحشر فرداً ذليلاً لا يملك من أمره شيئاً.
التعبير بـ «مَا يَقُولُ» في موضع المفعول: إشارة إلى أن ما افتخر به من أموال وأولاد لم يكن في الحقيقة إلا مجرد «أقوال وأوهام ودعاوى» سلبها الله منه وأورثها لغيره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يوقظ هذا النص في نفس المؤمن حقيقة الوقوف بين يدي الله: «ستأتي ربك فرداً»؛ فما ينفعك حينئذ إلا ما قدمت من إيمان وعمل صالح؛ كما ثبت في الحديث: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ... فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».
وينبغي للمسلم ألا يتعلق قلبه بالمال والولد تعلق فخر واستكبار، بل يجعلهما وسيلة لطاعة الله ومرضاته.