يقيم الله تعالى الحجة العقلية البديهية الدامغة على ذلك الإنسان الجاحد؛ فيذكره ببداية نشأته وتكوينه: أيعمى هذا الإنسان وينسى ولا يتفكر أننا أوجدناه وخلقناه أول مرة من العدم المحض ولم يكن شيئاً مذكوراً ولا موجوداً؟! فالذي خلقه من العدم المطلق قادر بيقين وأيسر في بدائه العقول على أن يعيده بعد تفرق أجزائه.
روى الطبري (ج 15، ص 573)مصدر غير محدد١٥/٥٧٣ عن قتادة ومجاهد في قوله: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} قالا: «يستدل بالخلق الأول على الخلق الآخر؛ فإن الذي ابتدأ خلقه ولم يك شيئاً قمينٌ وأهون عليه أن يعيده بعدما بلي».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 248)مصدر غير محدد٥/٢٤٨ عن ابن عباس أن الله تعالى احتج بالبدء على الإعادة، كما قال في سورة يس: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}، وفي سورة الروم: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَوَلَا يَذْكُرُ»: الهمزة للاستفهام التوبيخي الإنكاري؛ والواو عاطفة على مقدر؛ والذكر هنا التفكر العقلي واستحضار المعلوم الحاضر في الفطرة.
«خَلَقْنَاهُ»: الخلق هو الإيجاد على غير مثال سابق والتقدير المحكم.
«شَيْئًا»: الشيء هو الموجود الثابت؛ والمعنى: كان عدماً صرفاً لا أثر له ولا اسم ولا رسم.
الإعراب والقراءات:
«أَوَلَا»: الهمزة للاستفهام التوبيخي، الواو عاطفة، لا نافية.
«يَذْكُرُ»: فعل مضارع مرفوع، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: {أَوَلَا يَذْكُرُ} بفتح الذال وضم الكاف خفيفاً؛ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {أَوَلَا يَذَّكَّرُ} بفتح الذال المشددة والكاف المشددة وأصله يتذكر.
«الْإِنسَانُ»: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
«أَنَّا»: أن حرف توكيد ونصب، ونا اسمها في محل نصب.
«خَلَقْنَاهُ»: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر أن، والمصدر المؤول (أنا خلقناه) في محل نصب سد مسد مفعولي يذكر.
«مِن قَبْلُ»: جار ومجرور مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
«وَلَمْ يَكُ شَيْئًا»: الواو حالية، لم جازمة، يك فعل مضارع ناقص مجزوم بالسكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها مستتر تقديره هو، شيئاً خبر يك منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يمثل أسرع جواب يفحم الخصم المعاند؛ فبمجرد أن أطلق الكافر شبهته: {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا}، واجهه القرآن بحقيقة ذاته التي لا يستطيع إنكارها: {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}.
والمطابقة النظمية التامة بين هذا البرهان هنا وبين جواب الملك لزكريا في الآية (9): {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} تكشف عن وحدة البرهان القرآني في إثبات طلاقة القدرة؛ فالحجة التي أثبتت ولادة يحيى من عاقر هي الحجة التي تثبت بعث الموتى من القبور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إلزام الخصم ببرهان «قياس الأولى» العقلي البديهي:
يحاكم القرآن العقل البشري بالبرهان المنطقي الفطري:
الإيجاد الأول هو خلق من العدم المحض بلا أصل ولا مادة سابقة.
والإعادة في البعث هي جمع لأجزاء مفرقة وعظام رميمة كانت موجودة بالفعل.
وبديهة العقل تقضي بأن إعادة ما وُجد أيسر في القياس البشري من إيجاده ابتداءً من لا شيء؛ فإذا كان المنكر يقر بأن الله خلقه أول مرة وهو لم يكن شيئاً، فكيف ينكر قدرته على إعادته ثانية؟! هذا تناقض عقلي فاضح يكشف عن مكابرة محضة.