يأمر الله تبارك وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يذكر في القرآن الكريم خبر كليم الرحمن موسى بن عمران عليه السلام، كليم الله العظيم؛ فقد كان مخلصاً لله في دينه وعبادته، واصطفاه الله واستخلصه لرسالته، وجمع له بين رتبتي الرسالة والنبوة.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 540)مصدر غير محدد١٥/٥٤٠ عن قتادة ومجاهد في قوله: {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا}: «أي أخلصه الله واصطفاه لرسالته وكلامه، وقيل: أخلص هو عبادته لله فلم يشرك به شيئاً».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 238)مصدر غير محدد٥/٢٣٨ عن أئمة السلف أن الجمع بين وصفي {رَسُولًا نَّبِيًّا} يدل على عظم مقام موسى؛ فالنبي هو من أوحي إليه بشرع، والرسول هو من أُرسل بشرع جديد أو إلى قوم مخالفين، فكان موسى كليماً رسولاً إلى فرعون وملئه وإلى بني إسرائيل بتوراة وأحكام مفصلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
البناء اللغوي والمعجمي:
«مُوسَىٰ»: اسم علم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل مركب بالعبرانية أو القبطية من «مو» وهو الماء و«شا» وهو الشجر؛ لأنه وُجد في تابوته بين الماء والشجر عند قصر فرعون.
«مُخْلَصًا»:
بفتح اللام (مُخْلَصاً) اسم مفعول: أي أخلصه الله لنفسه واصطفاه وطهره من الأدناس.
بكسر اللام (مُخْلِصاً) اسم فاعل: أي أخلص عمله وقلبه وتوحيده لله تعالى.
«رَسُولًا نَّبِيًّا»: الرسول فَعول بمعنى مفعول (مُرسَل)، والنبي فَعيل من النبأ أو النبوة.
الإعراب والقراءات:
«وَاذْكُرْ»: الواو استئنافية، اذكر فعل أمر، والفاعل مستتر، وفي الكتاب جار ومجرور.
«مُوسَىٰ»: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
«إِنَّهُ»: إن واسمها.
«كَانَ»: فعل ماض ناقص واسمها مستتر.
«مُخْلَصًا»:
قراءة أهل الكوفة (عاصم، حمزة، الكسائي) وخلف: {مُخْلَصًا} بفتح اللام اسم مفعول على معنى الاصطفاء من الله.
قراءة أهل الحجاز والبصرة والشام (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، أبو جعفر، يعقوب): {مُخْلِصًا} بكسر اللام اسم فاعل على معنى إخلاصه العبادة لله.
وهو خبر كان أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
«وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا»: الواو عاطفة، كان واسمها مستتر، رسولاً خبر كان أول، نبياً خبر ثانٍ أو نعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يأتي ذكر موسى عليه السلام بعد قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب متمماً لموكب النبوات الإسرائيلية؛ فإبراهيم هو الأصل، وموسى هو صاحب التوراة والشريعة الكبرى التي دان بها بنو إسرائيل، والتي جاء عيسى ويحيى وزكريا مصدقين بها وعاملين بأحكامها؛ فكان في ذكر موسى هنا ربط لأطراف تاريخ النبوات بأحكم نسق.
وافتتاح ثنائه بـ {مُخْلَصًا} يبين أن سر العظمة النبوية والتمكين الإلهي يكمن في نقاء السريرة والتجرد التام لله رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تكامل القراءتين السبعيتين في دلالة الإخلاص والاصطفاء:
في الجمع بين قراءة الفتح {مُخْلَصًا} وقراءة الكسر {مُخْلِصًا} رد على من يتوهم التعارض بين القراءات؛ فالمعنيان متلازمان في غاية الإحكام:
فإخلاصه لربه في عبادته (مُخْلِص) كان سبباً في اصطفاء الله له وتخليصه لنفسه (مُخْلَص).
واصطفاء الله له برحمته (مُخْلَص) أثمر كمال إخلاصه وثباته على الحق (مُخْلِص).
فالقراءتان تكشفان وجهي الحقيقة الإيمانية: كسب العبد بالتجرد، وفيض الرب بالتوفيق والاجتباء.
الجمع بين الرسالة والنبوة: تنويه بفضل موسى؛ فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً؛ فجمع الله له الوصفين تأكيداً لعلو رتبته في أولي العزم من الرسل.
التنكير في «مُخْلَصًا» و«رَسُولًا نَّبِيًّا»: لإفادة التعظيم البالغ لشخصيته ورسالته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المؤمن على طلب «الإخلاص» في كل قول وعمل؛ فالإخلاص هو الروح التي تحيي الأعمال، وبقدر ما يخلص العبد لربه بقدر ما يخلصه الله من فتن الدنيا وشبهاتها كما قال تعالى في يوسف: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}.
كما يعلم الداعية أن حمل الرسالة يقتضي الصدق والتجرد عن حظوظ النفس والشهرة.