لما استقرت الآية في زكريا عليه السلام وتيقن من استجابة ربه وامتنع عليه الكلام، خرج من محرابه ومصلاه الذي كان يناجي فيه ربه إلى قومه المنتظرين لصلاته ودعائه، فأشار إليهم إشارة مفهمة أو كتب لهم كتاباً أن واظبوا على تسبيح الله وتنزيهه في طرفي النهار: بكرة وعشياً، شكراً لله على ما أنعم به عليهم من بشارة تجديد النبوة وبقاء الشريعة.
روى الطبري (ج 15، ص 465)مصدر غير محدد١٥/٤٦٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير في قوله: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ}: «أي أشار إليهم إشارة باليد والرأس؛ والوحي في كلام العرب يطلق على الإشارة الخفية والإيماء والكتابة والإلهام».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 218)مصدر غير محدد٥/٢١٨ عن السدي وزيد بن أسلم: «كان زكريا إماماً لبني إسرائيل في بيت المقدس، وكانوا ينتظرونه ليفتح لهم باب الصلاة، فخرج إليهم وقد أمسك لسانه عن كلامهم، فأشار إليهم وأمرهم بالتسبيح بكرة وعشياً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«الْمِحْرَابِ»: المحراب هو صدر المسجد، أو الغرفة المرتفعة المنعزلة للعبادة، وأشرف مجالس الذكر والصلاة؛ وسمي محراباً لأن المتعبد يحارب فيه الشيطان ونوازع الهوى.
«فَأَوْحَىٰ»: الوحي في أصل اللغة هو إلقاء المعنى إلى المخاطب في خفاء وسرعة؛ وتطلق على الإشارة باليد، وعلى الكتابة على الأرض أو الحائط كما روي عن مجاهد، وعلى الإيماء بالرأس.
«بُكْرَةً وَعَشِيًّا»: البكرة أول النهار من طلوع الفجر إلى الإشراق، والعشي آخر النهار من الزوال أو العصر إلى غروب الشمس؛ وهما وقتان شريفان معظمان تجتمع فيهما الملائكة وتتضاعف فيهما الحسنات.
الإعراب:
«فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ»: الفاء عاطفة تفيد التعقيب، خرج فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، على قومه جار ومجرور متعلق بـ (خرج).
«مِنَ الْمِحْرَابِ»: جار ومجرور متعلق بـ (خرج).
«فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ»: الفاء عاطفة، أوحى فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل مستتر، إليهم جار ومجرور متعلق بـ (أوحى).
«أَن سَبِّحُوا»: أن مفسرة لا محل لها من الإعراب لوقوعها بعد فعل فيه معنى القول دون حروفه (أوحى)، أو مصدرية في محل جر بحرف جر محذوف (بأن سبحوا). سبحوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
«بُكْرَةً وَعَشِيًّا»: بكرة ظرف زمان منصوب متعلق بـ (سبحوا)، وعشياً معطوف عليه منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يعبر عن سرعة امتثال زكريا عليه السلام لأمر ربه؛ فبمجرد أن أحس بحبس لسانه ووقوع الآية المعجزة لم يعتكف منطوياً على نفسه فحسب، بل خرج مسارعاً إلى قومه ليشركهم في العبادة وشكر النعمة.
والربط بين خروجه من المحراب وأمره لهم بالتسبيح بالذات دون سائر الطاعات؛ لأن التسبيح هو تنزيه الله عز وجل عن العجز والنقص والصاحبة والولد، وهو أشرف الأذكار المناسبة لخرق العادات وظهور القدرة الإلهية الباهرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة دلالة الإشارة وحجيتها في الشرائع:
استدل بعض الفقهاء بهذه الآية على أن الإشارة المفهمة من الأخرس أو الممتنع عن النطق تقوم مقام الكلام في العقود والعهود وسائر التصرفات الشرعية.
والمحاكمة الفقهية واللغوية تؤكد صحة هذا الاستنباط؛ إذ سمى الله إشارته وحياً ورتب عليها إفهام القوم أمر التسبيح، فدل على أن الإشارة الصريحة المفهمة معتبرة شرعاً في الدلالة على المراد إذا تعذر النطق الصوتي.
إطلاق «الوحي» على الإشارة: استعارة أو إطلاق لغوي دقيق؛ لما في الإشارة من السرعة والخفاء والتأثير المباشر في النفس دون جلبة أصوات.
تخصيص طرفي النهار (بكرة وعشياً): طباق بين البكرة والعشي يستوعب اليوم كله؛ وفيه استحضار لتسبيح الكائنات الحية والجمادات والشمس والظلال في هذين الوقتين الشريفين، كما قال تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا الموقف الداعية على ألا يكون أنانياً في الاستمتاع بنعم الله وتوفيقه؛ بل يسارع إلى قيادة مجتمعه وأهله نحو التسبيح والذكر الجماعي، وتوجيههم نحو تعظيم شعائر الله.
كما يعلمنا المداومة على أذكار الصباح والمساء؛ فإن تسبيح الله بكرة وعشياً هو درع المؤمن الحصين، ومهبط السكينة والبركات في كل زمان ومكان.