يكمل الله تعالى الثناء العاطر على نبيه إسماعيل عليه السلام؛ فكان حريصاً على إصلاح بيته وأهله وقومه، آمراً إياهم بالمداومة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكان عند ربه مرضياً في عقيدته وأخلاقه وعبادته، فائزاً برضوان الله تعالى.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 548)مصدر غير محدد١٥/٥٤٨ عن قتادة في قوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} قال: «كان يبدأ بأهله فيأمرهم بطاعة الله وأداء فرائضه؛ لأن أخص الناس بالرجل أهله، وأولى الناس بنصيحته هم أهل بيته».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 240)مصدر غير محدد٥/٢٤٠ أن هذا من أعظم صفات الأنبياء والصالحين؛ وهو القيام بأمانة البيت والأسرة، كما أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في سورة طه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}، وفي سورة التحريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}. وقوله: {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}: أي أرضى ربه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فرضي الله عنه وأرضاه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَهْلَهُ»: الأهل يطلق على الزوجة والأولاد والقرابة وعشيرته من جرهم ومن تبعه من قومه؛ وأولاهم بالدخول زوجه وولده.
«بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ»: إفراد هاتين الفريضتين لأنهما أم العبادات البدنية والمالية.
«مَرْضِيًّا»: فَعِيل بمعنى مفعول؛ أي مرضياً عنه عند الله لطاعته، وراضياً بقضاء ربه وقدره.
الإعراب:
«وَكَانَ»: الواو عاطفة، كان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو.
«يَأْمُرُ»: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان.
«أَهْلَهُ»: مفعول به لـ (يأمر) منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
«بِالصَّلَاةِ»: جار ومجرور متعلق بـ (يأمر).
«وَالزَّكَاةِ»: معطوف على الصلاة مجرور بالكسرة.
«وَكَانَ»: الواو عاطفة، كان واسمها مستتر.
«عِندَ رَبِّهِ»: عند ظرف مكان منصوب متعلق بـ (مرضياً)، ربه مضاف إليه والهاء مضاف إليه.
«مَرْضِيًّا»: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يضع الأساس للتربية الأسرية الراشدة؛ فبعد أن أثنى على صدقه في ذاته، أثنى على مسؤوليته تجاه محيطه الأقرب: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ}؛ ليعلم أن كمال الرجل لا يكتمل بصلاحه الفردي حتى يفيض هذا الصلاح على بيته وأولاده.
وختام الآية بـ {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} يعيدنا إلى دعاء زكريا في مطلع السورة: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}؛ ليتحقق الرضا الإلهي في هذا الموكب النبوي المتصل بنفحات التوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الاكتفاء بالصلاح الشخصي وإهمال الأهل:
يقع بعض المنسوبين إلى العلم والدعوة في خطأ جسيم حين ينشغلون بإصلاح العامة في المجامع ويهملون بيوتهم وأبناءهم، فينشأ الأبناء على الانحراف والضياع.
والقرآن يقدم النموذج المعصوم بلسان إسماعيل: إن أول ميدان للدعوة هو «البيت والأسرة»؛ فالرجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيته، وأمر الأهل بالصلاة ومتابعتهم عليها أعظم أمانة كلف بها الإنسان بعد توحيد ربه.
التعبير بالفعل المضارع «يَأْمُرُ» بعد «كَانَ»: يفيد الاستمرار والتكرار والمتابعة الدائمة؛ فلم يكن أمراً عارضاً لمرة واحدة، بل كان ديدناً وسجية مستمرة في حياة البيت النبوي.
تخصيص الظرفية بـ {عِندَ رَبِّهِ}: إشارة إلى أن الميزان الحقيقي هو ميزان الآخرة ورضا الله، لا رضا الناس ومقاييسهم الدنيوية القاصرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يوجب هذا النص على كل رب أسرة وأب وأم أن يعتنوا بإقامة الصلاة في بيوتهم؛ فيوقظوا الصغار والكبار، ويحثوهم على الطهارة والخشوع، ويعلموهم الصدقة والإحسان.
كما يعلمنا أن أعلى غاية ينبغي أن يتنافس فيها الصالحون هي نيل رضا الله: أن تكون «عند ربك مرضياً»؛ فإذا رضي الله عنك أسعدك في الدارين وحباك من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.