يكمل عيسى عليه السلام خصال كماله الإنساني والأخلاقي؛ فأخبر أن الله جعله باراً محسناً مطيعاً لأمه مريم الصديقة، وخالياً من الجبروت والغلظة والتمرد والشقاء.
روى الطبري (ج 15، ص 509)مصدر غير محدد١٥/٥٠٩ عن قتادة قال: «ذُكر لنا أن امرأة رأت عيسى بن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، فقالت: طوبى لبطن حملك ولثدي رضعت منه! فقال عيسى عليه السلام: طوبى لمن تلا كتاب الله وعمل به ولم يكن جباراً شقياً».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 230)مصدر غير محدد٥/٢٣٠ عن وهب بن منبه قال: «الجبار الشقي: هو الذي يقتل على الغضب، ويبطش بالظلم، ويتكبر على الناس، ويعصي ربه ووالديه». واختصاصه بذكر «الوالدة» وحدها في قوله {بِوَالِدَتِي} دون الوالدين برهان قاطع وإعجاز لفظي يثبت أنه لا أب له من البشر؛ فلو كان له أب كما يفتري اليهود لقال: «وبراً بوالديّ» كما قال يحيى في الآية (14): {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«بَرًّا»: كثير الإحسان والصلة والبر.
«بِوَالِدَتِي»: أمه مريم الصديقة، واقتصاره على الوالدة تصديق لبراءتها وإعجاز لميلاده دون أب.
«جَبَّارًا»: متكبراً متسلطاً باطشاً لا يرى لأحد عليه فضلاً.
«شَقِيًّا»: خاسراً محروماً من رحمة الله وتوفيقه في الدنيا والآخرة بسبب عتوه وكبره.
الإعراب:
«وَبَرًّا»: الواو عاطفة، براً معطوف على (مباركاً) في الآية السابقة منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي: وجعلني مباركاً وبراً بوالدتي، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: وجعلني براً.
«بِوَالِدَتِي»: جار ومجرور متعلق بـ (براً)، والياء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
«وَلَمْ يَجْعَلْنِي»: الواو عاطفة، لم حرف نفي وجزم، يجعلني فعل مضارع مجزوم والفاعل مستتر تقديره هو، والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
«جَبَّارًا»: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
«شَقِيًّا»: نعت لـ (جباراً) أو مفعول ثالث منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع دقة النظم القرآني وإعجازه في موازنة الألفاظ!
في قصة يحيى عليه السلام قال الله تعالى في الآية (14): {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا}.
وفي قصة عيسى عليه السلام قال بلسانه في المهد: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}.
فجاءت الكلمات مفصلة بميزان الذهب؛ قال يحيى {بِوَالِدَيْهِ} لأن له أباً وأماً (زكريا وزوجته)، وقال عيسى {بِوَالِدَتِي} لأن له أماً فقط بلا أب!
وقال في يحيى {عَصِيًّا} ليناسب سياق الطاعة والنشأة بين أبوين، وقال في عيسى {شَقِيًّا} ليناسب نفي الشقاء المقترن بدعوى الألوهية المزعومة والتنزيه عن الجبروت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع تهمة العقوق عن الأنبياء وتقرير ملازمة البر للسعادة:
يقرر القرآن قاعدة نفسية وسلوكية حتمية: وهي أن بر الوالدين هو عنوان السعادة والرحمة، وأن عقوقهما هو عنوان الجبروت والشقاء؛ فما وُجد عاقٌّ لوالديه إلا وكان جباراً شقياً محروماً من التوفيق، كما قال سفيان بن عيينة: «لا تجد عاقاً لوالديه إلا وجدته جباراً شقياً، وتلا هذه الآية».
والأنبياء عليهم السلام هم أبعد خلق الله عن الجبروت والشقاء، فكانوا أكمل الناس براً وتواضعاً وإحساناً لأمهاتهم وآبائهم.
الإعجاز التشريعي واللفظي في «بِوَالِدَتِي»: شهادة ناطقة من الرضيع ببكارة أمه وطهارتها وتفرد ولادته، تدحض بهتان اليهود الذين اتهموها بسفاح، وتدحض شرك النصارى الذين زعموا أن له أباً إلهاً! فليس له إلا «والدة» واحدة بشرية طاهرة اصطفاها الله.
التلازم بين الجبروت والشقاء: الجمع بين الوصفين {جَبَّارًا شَقِيًّا} يبين أن المستكبر في الأرض موعود بالشقاء الحتمي في الدنيا بقلق النفس وفي الآخرة بنار الجحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يضع هذا النص بر الأم في أعلى مراتب القربات بعد توحيد الله وإقامة الصلاة؛ فالأم التي حملت ووضعت وعانت تستحق من ولدها كمال اللين وخفض الجناح وطيب الكلام.
كما يحذر من مسالك الجبابرة والمتكبرين؛ فالقوة الحقيقية تكمن في التواضع والرحمة والشفقة على الضعفاء، ومن تواضع لله رفعه وجنبه مواطن الشقاء.