يردع الله تعالى المشركين ردعاً قاطعاً بـ «كَلَّا»؛ ليس الأمر كما ظنوا وتمنوا؛ فلن تكون تلك المعبودات عِزّاً لهم، بل ستتحول يوم القيامة إلى أعدى أعدائهم؛ حيث يجحد أولئك المعبودون (من الملائكة، وعيسى، والجن، والأصنام التي ينطقها الله) عبادة هؤلاء المشركين ويتبرؤون منهم ومن شركهم، ويكونون عوناً وخصماً وأعواناً للملائكة في تكذيبهم ولعنهم وسوقهم إلى النار.
روى الطبري (ج 15، ص 603)مصدر غير محدد١٥/٦٠٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ}: «أي ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادة المشركين، وتتبرأ منهم؛ كقول عيسى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ}، وقول الملائكة: {سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم}». وفي قوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا}: «الضد: الخصم والعدو والعون على عذابهم؛ كانوا يرجون عونهم فصاروا خصماء لهم يلعنونهم ويشهدون عليهم بالكفر».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 254)مصدر غير محدد٥/٢٥٤ عن سفيان الثوري أن الضد هو الخصم الألد؛ فتنقلب المحبة المزعومة والتعظيم الشركي إلى عداوة محتدمة ولعنات متبادلة، كما قال تعالى في سورة العنكبوت: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«كَلَّا»: حرف ردع وزجر وإبطال لدعوى العزة.
«سَيَكْفُرُونَ»: السين للاستقبال والتأكيد؛ والكفر هنا الجحود والتبرؤ والإنكار التام.
«بِعِبَادَتِهِمْ»: العبادة مضاف إلى مفعوله أو فاعله؛ أي يكفرون بكونهم عبدوهم، أو ينكرون أنهم دعوهم إلى عبادتهم.
«ضِدًّا»: الضد في أصل اللغة هو المناوئ والمخالف والخصم المقاوم؛ ويستوي فيه المفرد والجمع؛ يقال: هؤلاء ضدٌّ له وهم أضداد له؛ والمراد هنا: خصماء وأعداء وأعواناً في خزيهم وعذابهم.
الإعراب:
«كَلَّا»: حرف ردع وزجر مبني على السكون.
«سَيَكْفُرُونَ»: السين للاستقبال، يكفرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل يعود على الآلهة.
«بِعِبَادَتِهِمْ»: جار ومجرور متعلق بـ (يكفرون)، والهاء مضاف إليه.
«عَلَيْهِمْ»: جار ومجرور متعلق بـ (ضداً) أو بمحذوف حال.
«ضِدًّا»: خبر يكونون منصوب بالفتحة الظاهرة؛ وجاء مفرداً لأنه مصدر أو وصف صالح للجمع كعَدُوّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الانقلاب الدرامي العجيب في النظم القرآني!
هم اتخذوها: {لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}.
فانقلب الأمر: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا}.
فجاءت الآية الثانية ناسفة للأولى من جذورها؛ قابلت العز بالضدية والعداوة، وحولت الرجاء في النصرة إلى تبرؤ وخزي؛ لتظهر الخيبة الكبرى التي لا توازيها خيبة في تاريخ الوجود البشري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة تبرؤ المعبودين من العابدين:
يحكم القرآن بنهاية كل تعلق باطل بغير الله؛ فكل رابطة ومودة قامت على غير التوحيد تنقلب يوم القيامة إلى عداوة وبغضاء ولعنة: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
والصنم الذي نحته المشرك بيده ينطقه الله ليلعن عابده، والملائكة والأنبياء الذين عُبدوا من دون الله يتبرؤون من المشركين ويطالبون بتعذيبهم؛ فتبطل الشفاعة المزعومة ويتحقق الخسران المبين.