يصف الله تعالى هيئة دعاء زكريا عليه السلام وتضرعه؛ إذ قصد ربه في خلوته مناجياً بصوت خفي لا يسمعه إلا الله، متجرداً من الرياء والسمعة وإظهار الشكوى للمخلوقين.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 447)مصدر غير محدد١٥/٤٤٧ بسنده عن قتادة في قوله: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} قال: «إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي». وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري ومجاهد قالا: «أراد أن يستسر بدعائه؛ ليكون أخلص لله، وأبعد من الرياء، وخوفاً من أن يعذله قومه إذا سمعوا شيوخاً هرماً يطلب ولداً في سن الشيخوخة».
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج 11، ص 79)مصدر غير محدد١١/٧٩: استحب العلماء إخفاء الدعاء تأسياً بزكريا عليه السلام، ولقوله تعالى في سورة الأعراف: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}؛ فالإخفاء أتم في الإخلاص وأقرب للإجابة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«إِذْ»: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بالمصدر (رحمة) أو (ذكر)؛ أي: اذكر رحمته حين نادى ربه.
«نَادَىٰ»: أصل النداء مد الصوت واستدعاء المخاطب من بعد، واستعماله هنا مع وصفه بالخفاء {نِدَاءً خَفِيًّا} من أبلغ وجوه البيان؛ دلالة على قوة المناجاة وشدة حضور القلب مع خفض الجارحة بالصوت ليكون خالصاً لمن يسمع السر وأخفى.
«خَفِيًّا»: نعت لـ (نداءً)، مشتق من الخفاء وهو المستور الذي لا يدركه الحس الظاهر، أي صوتاً خافتاً سراً بينه وبين ربه.
الإعراب:
«إِذْ»: اسم ظرفي مبني على السكون في محل نصب متعلق بـ «رحمة» أو بـ «ذكر».
«نَادَىٰ»: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على زكريا.
«رَبَّهُ»: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
«نِدَاءً»: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة.
«خَفِيًّا»: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء قوله {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} تفصيلاً لسبب استنزال الرحمة المذكورة في الآية السابقة؛ فكأن سائلاً سأل: كيف تجلت تلك الرحمة بعبده زكريا؟ فجاء الجواب: تجلت حين انقطع إلى مولاه في جوف الليل أو المحراب، مناجياً إياه بنداء سري خالص مبرأ من شوائب التصنع والرياء.
وتناسب النداء الخفي مع مقام طلب أمر مستغرب في مجرى العادات؛ فالجهر بمثل هذا الطلب قد يثير سخرية المنافقين أو عذل القوم، فكان الخفاء أدباً مع الله وصيانة لليقين من لغط الغافلين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع إشكال الجمع بين «النداء» و«الخفاء»:
قد يشكل على بعض الأذهان: كيف يوصف الدعاء بأنه «نداء» والنداء في أصل وضع اللغة هو الصوت العالي المرتفع، ثم يقيده الحق تبارك وتعالى بكونه «خفياً»؟
والجواب التحقيقي: أن إطلاق النداء عليه باعتبار قوة الالتجاء واضطرام الرغبة في قلب الداعي، فكان نداءً بالمعنى الروحي والقلبي لعظم ما في نفسه من الافتقار، وجاء تقييده بالخفاء إشارة إلى انحسار الصوت الحسي في الشفتين أدباً وإخلاصاً؛ فجمع بين أقصى غايات القوة الباطنية وأعلى درجات السكون والتواضع الظاهري، وشتان بين الصراخ المتكلف والمناجاة الخاشعة.
الطباق المعنوي اللطيف: بين لفظ «النداء» الذي يوحي بالبعد والجهر، ولفظ «خفياً» الذي يعبر عن القرب والسر؛ للدلالة على أن الله تعالى أقرب إلى عبده من حبل الوريد، يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فلا يحتاج العبد معه إلى رفع صوت ولا مجاهرة.
التدبر الإيماني في سر الخفاء: في خفاء الدعاء حفظ لبركة السرائر، وسلامة من العجب، واستجماع لقوى الفكر والقلب في حظيرة التوحيد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يرسخ هذا المشهد في قلب السالك والداعية فضيلة عبادة السر، وخبيئة العمل الصالح بين العبد وربه؛ فالدعاء الخفي أسرع وصولاً إلى العرش، وأثبت قدماً في الإخلاص.
وينبغي على المؤمن إذا حزبته الشدائد ونزلت به الفاقات ألا يتسول عطف الخلق ولا يكثر من بث شكواه للناس، بل يفزع إلى ربه منفرداً في سجوده ومحرابه، مستمطراً رحمات السماء بيقين راسخ لا يتزعزع.