يؤكد الله تعالى كمال علمه المحيط واستحقاق المعذبين؛ فنحن أعلم بمراتب الكفار وأحقهم بالدخول في قعر جهنم ومقاساة حرها الشديد ونارها الموقدة؛ فلا يُقدم إلا من استحق التقديم بعدل وحكمة، ولا يُؤخر إلا بميزان إلهي دقيق محيط بكل صغيرة وكبيرة من أعمالهم.
روى الطبري (ج 15، ص 579)مصدر غير محدد١٥/٥٧٩ عن قتادة ومجاهد في قوله: {أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا}: «أي أحق بها دخولاً ومقاساة لحرها؛ والصِليّ هو الصلي والدخول في النار والاحتراق بها».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 249)مصدر غير محدد٥/٢٤٩ عن السلف أن الله تعالى محيط بجرائم العباد؛ فيعلم المستكبرين ورؤوس الشرك فيقدمهم في دركات الجحيم، ويعلم الأتباع والمقلدين فينزل كلاً منزلته العادلة، لا يظلم ربك أحداً ولا يعذب نفساً بغير ذنبها واستحقاقها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَعْلَمُ»: اسم تفضيل دال على كمال الإحاطة وشمول العلم الإلهي لكل دقيق وجليل.
«أَوْلَىٰ»: أحق وأجدر من غيره بمقتضى العدل والاستحقاق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يقطع دابر أي توهم بالظلم أو المحاباة أو الخبط في حساب الآخرة؛ فنزع الأعتى فالأعتى في الآية السابقة مبني على هذا العلم الرباني المطلق: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ}؛ فالتقديم والتأخير صادر عن علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية.
وتصدير الجملة بضمير الفصل والابتداء المؤكد {لَنَحْنُ أَعْلَمُ} يحسم الأمر حكماً نهائياً لا يقبل طعناً ولا استئنافاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة التساوي في العذاب وبيان تفاوت دركات الجحيم:
قد يظن جاهل أن الكفار جميعاً سواء في العذاب، أو أن جهنم درجة واحدة.
والمحاكمة القرآنية تقرر أن النار دركات متفاوتة كما أن الجنة درجات متفاضلة؛ فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، ورؤوس الكفر وأئمة الإضلال ينالون العذاب الأشد، والأتباع دونهم؛ وكلٌ ينال جزاءه بمقتضى علم الله التام واستحقاقه: {أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا}.
التوكيد باللام ونحن في {لَنَحْنُ أَعْلَمُ}: قصر واختصاص؛ أي الله وحده هو المحيط بمقادير الجرائم واستحقاق العقاب، فلا يكل الحساب إلى غيره.
التعبير بالمصدر «صِلِيًّا»: إشعار بشدة ملازمة العذاب ومقاساة الحريق حتى تنضج جلودهم وتصلى أبدانهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص راحة ويقيناً في قلب المظلومين؛ فالطغاة الذين أفلتوا من عقاب الدنيا لبطشهم وقوتهم لن يفلتوا من علم الله وعدله يوم القيامة؛ فالأعلم سبحانه سيضعهم في أعمق دركات الجحيم.
كما يحذر المسلم من التعدي على حقوق الخلق؛ فإن كل مظلمة مسجلة في علم الله وسيحاسب عليها صاحبها بمثاقيل الذر.