حين رأت مريم عليها السلام هذا الرجل الغريب السوي الماثل أمامها في خلوتها فزعت وظنت أنه يريد بها سوءاً أو ينتهك حرمتها وخلوتها، فلم تلجأ إلى صراخ ولا توسلت بقوة بشرية غائبة، بل فزعت فوراً إلى الحصن الحصين، واستعاذت بالله الرحمن الرحيم، مذكرة هذا الرجل بتقوى الله وخوف عقابه إن كان من أهل التقوى والوجل.
روى الطبري (ج 15، ص 479)مصدر غير محدد١٥/٤٧٩ عن ابن عباس في قوله: {إِن كُنتَ تَقِيًّا} قال: «أي إن كنت مطيعاً لله تخاف عقابه وتنتهي عند محارمه؛ فالعائذ بالله ينبغي أن يُعاذ ويُكف عنه». وعن قتادة قال: «علمت أن التقي ذو نهية يرعوي إذا ذُكر بالله؛ فاستعاذت بالرحمن ووعظته بالتقوى».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 222)مصدر غير محدد٥/٢٢٢ عن شمر بن عطية قال: «ما أحسن ما تعوذت به؛ تعوذت بالرحمن، وذكّرته بالتقوى؛ لأن التقي إذا ذُكر بالله كفّ وارعوى». وهذا دليل على كمال عفتها وشدة استحضارها لعظمة ربها في أصعب اللحظات وأشدها رعباً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَعُوذُ»: العياذ هو اللجوء والاعتصام والتحصن بالغير لدفع الشر والمكروه؛ والمراد: أعتصم وأتحصن بقدرة الله ورحمته ليدفع عني شرك وأذاك.
«بِالرَّحْمَٰنِ»: تخصيص اسم «الرحمن» هنا بالذات يحمل سراً عظيماً؛ استنزالاً لرحمته التي تنجي المستضعفين، وإحياءً لرجاء أن يرحمها هذا الرجل فلا يبطش بها إن كان في قلبه قبس من رحمة وخوف من الرحمن.
«تَقِيًّا»: التقي هو المتقي لله الحذر من مقته وعقابه.
الإعراب:
«قَالَتْ»: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة مستأنفة.
«إِنِّي»: إن حرف توكيد ونصب، والياء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
«أَعُوذُ»: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وجملة (إني أعوذ) في محل نصب مقول القول.
«بِالرَّحْمَٰنِ»: جار ومجرور متعلق بـ (أعوذ).
«مِنكَ»: جار ومجرور متعلق بـ (أعوذ).
«إِن كُنتَ تَقِيًّا»: إن حرف شرط جازم، كنت فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها، تقياً خبر كان منصوب، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره: فكفّ عني وامتنع ولا تؤذني، أو فإني أستعيذ بالرحمن منك لترعوي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني المعجز يصور الفزع العفيف؛ فلم تتردد مريم لحظة واحدة، ولم تصغ إلى أي حوار، بل كان أول نبض نطق به لسانها هو الاستعاذة بالله والالتجاء إلى رحمته الواسعة.
وقولها: {إِن كُنتَ تَقِيًّا} شرط بديع محكم؛ لأن الفاجر الشقي لا يرعوي إذا ذُكر بالله، وإنما يرعوي التقي ذو القلب الحي؛ فخاطبته بأعظم وازع يردع النفوس عن الفاحشة وهو وازع التقوى ومراقبة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم ضعف موقف مريم واستجداء المعتدي:
قد يظن من لا فقه له أن قولها {إِن كُنتَ تَقِيًّا} يحمل نوع استجداء أو ضعف أمام عدو مقتحم.
والمحاكمة التربوية والشرعية تبين أن هذا هو منتهى الشجاعة والقوة الإيمانية؛ فالمرأة العذراء الوحيدة في مكان منقطع إذا فاجأها رجل قوي مستوٍ لا تملك سلاحاً مادياً يدفعه، ولكنها تملك السلاح الروحي القاهر الذي يخضع له الجبابرة، وهو: التذكير بالله والاستعاذة بالرحمن وإيقاظ ضمير التقوى في قلبه؛ وهذا غاية ما يفعله الصديقون عند نزول الكروب.
الإيجاز بالحذف البليغ في جواب الشرط: حذف جواب {إِن كُنتَ تَقِيًّا} لتهويل الأمر وإطلاق الذهن في كل ما يقتضيه شأن التقي من الكف، والارتداع، والوجل، والحياء من الله، وغض البصر.
التوسل باسم الرحمن: التوسل بهذا الاسم الجليل في موطن الفزع استعطاف للقدر الإلهي ليدرأ عنها الضر ويحفظ عليها شرفها وطهارتها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا الموقف الفتاة المسلمة والمؤمنين جميعاً على أن اللجوء الأول في مواطن الخوف والشبهات والفتن هو الاستعاذة الصادقة بالله تعالى؛ فمن استعاذ بالله أعاذه، ومن توكل عليه كفاه.
كما يعلمنا أدب موعظة المعتدي: تذكيره بالله وبمقام التقوى؛ فإن تذكير القلوب بالخالق كفيل بإطفاء شهوة المعصية وإيقاظ الضمائر الغافلة.