ينزه الله جل جلاله نفسه العلية تنزيهاً مطلقاً عن اتخاذ الولد والصاحبة والشريك؛ فما ينبغي ولا يليق بجلال كبريائه وغناه الذاتي المطلق أن يتخذ ولداً؛ سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، فهو الخالق المالك لكل من في السماوات والأرض، وإذا أراد إيجاد شيء وقضى تكوينه لم يحتج إلى زوجة ولا فحل ولا وسائل، بل أمره نافذ بقوله له: «كُنْ» فيكون كائناً في التو واللحظة.
روى الطبري (ج 15، ص 514)مصدر غير محدد١٥/٥١٤ عن قتادة في قوله: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ} قال: «نزه نفسه وسبحها مما قال فيه أهل الضلالة والكفر؛ فإنه إله واحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 232)مصدر غير محدد٥/٢٣٢ عن مجاهد والسدي قالا: «بين الله تعالى أنه الغني عن الولد؛ لأن الولد إنما يحتاج إليه الضعيف ليعاونه، أو الفاني ليبقى ذكره، والله تعالى حي قيوم باقٍ لا يموت، غني عن العالمين، فكيف يكون له ولد وخلق السماوات والأرض وما بينهما هين عليه بكلمة كن فيكون؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«مَا كَانَ»: نفي للجواز والاستحقاق والإمكان؛ أي ما ينبغي ولا يستقيم ولا يصح عقلاً ولا شرعاً في حق الذات الإلهية.
«مِن وَلَدٍ»: «من» حرف جر زائد لاستغراق النفي؛ أي ما كان له أن يتخذ أي ولد كان؛ صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى.
«سُبْحَانَهُ»: مصدر سبح يُسبح تسبيحاً وسبحاناً؛ وهو تنزيه الله وتقديسه وتبرئته من كل عيب ونقص ومشابهة للخلق.
«كُن فَيَكُونُ»: كن فعل أمر من كان التامة الدالة على الحدوث والوجود؛ والمعنى: احْدُثْ وائْتَلِفْ، فيكون موجوداً حاصلاً.
الإعراب والقراءات:
«مَا كَانَ لِلَّهِ»: ما نافية، كان فعل ماض ناقص، لله جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كان مقدم في محل نصب.
«أَن يَتَّخِذَ»: أن حرف مصدري ونصب، يتخذ فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل مستتر تقديره هو، والمصدر المؤول (أن يتخذ) في محل رفع اسم كان مؤخر.
«مِن وَلَدٍ»: من حرف جر زائد لتأكيد النفي، ولد مجرور لفظاً منصوب محلاً مفعول به لـ (يتخذ).
«إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا»: إذا ظرفية شرطية غير جازمة، قضى فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر، أمراً مفعول به منصوب، والجملة مضاف إليه.
«فَإِنَّمَا»: الفاء رابطة لجواب الشرط، إنما كافة ومكفوفة.
«يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ»: يقول فعل مضارع والفاعل مستتر، له جار ومجرور، كن فعل أمر تام وفاعله مستتر والجملة مقول القول؛ فيكون: الفاء عاطفة أو استئنافية، يكون فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل مستتر تقديره هو (قراءة الجمهور)، وقرأ ابن عامر بفتح النون {فَيَكُونَ} نصباً على أنه جواب للأمر (كن) بأن مضمرة بعد فاء السببية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يقوم على أمتن البراهين العقلية المنسوجة بالبيان الرباني؛ فبعد أن قرر أن عيسى بشر وابن مريم، بين استحالة اتخاذ الولد على الله تعالى؛ لأن الولد جزء من الوالد ومشابه له ومجانس لصفاته، والله تعالى أحد صمد لا جزء له ولا شبيه له ولا مثيل.
ثم أردف التنزيه ببيان طلاقة القدرة في الإيجاد: {إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}؛ ليبين للمشركين والنصارى أن خروج عيسى من غير أب ليس دليلاً على أنه ابن الله، بل هو أثر من آثار كلمة «كُن» التكوينية التي أوجدت الكون وما فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
المحاكمة العقلية لاستحالة البنوة على الله جل جلاله:
قرر أئمة التوحيد والمحققون كابن تيمية وابن القيم أن نسبة الولد إلى الله ممتنعة عقلاً من وجوه قاطعة:
أن الولد يقتضي المشاكلة والمجانسة بين الوالد والولد، والله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فامتنع أن يماثله مخلوق فيكون ولداً له.
أن الولد يقتضي الصاحبة والزوجة {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ}، والله غني منزه عن الزوجة والصاحبة.
أن الولد يقتضي الحدوث بعد العدم وانفصال جزء من الأصل، والله قديم أول أزلي صمد لا يتجزأ ولا يتفرق ولا يعتريه الحدوث.
أن الولد يحتاج إليه الوالد لفقره وضعفه وطلب بقائه، والله هو الغني الحميد الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما.
دخول «مِن» الاستغراقية في {مِن وَلَدٍ}: تنصيص صريح على نفي جنس الولد نفياً باتاً يستغرق كل ما يمكن أن يُتصور من بنوة حقيقية أو مجازية أو ادعائية.
التسبيح والتقديس في «سُبْحَانَهُ»: اعتِراض تنزيهي في قلب الجملة لقطع أي توهم نقص أو عجز عن ساحة الجلال والكمال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص في روع المؤمن تعظيماً وإجلالاً للذات الإلهية العلية؛ فالله أكبر من كل ما يتصوره العقل البشري، منزه عن صفات النقص والمشابهة.
كما يملأ القلب باليقين والتوكل على من يقول للشيء «كن فيكون»؛ فإذا علمت أن أمر ربك بين الكاف والنون، ألقيت همومك ومخاوفك بين يديه واطمأننت لقدرته المطلقة.