طوى السياق القرآني البديع مراحل الحمل والولادة ونشأة يحيى عليه السلام وانتقل مباشرة إلى مشهد تكليفه بالرسالة والنبوة، منادياً إياه بأمر جازم: {يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}؛ أي استمسك بالتوراة واعمل بأحكامها وافهم مقاصدها بجد وعزم وثبات دون توانٍ أو تردد. ثم أخبر الله جل وعلا أنه آتاه «الحكم» وهو في سن الصبا الباكر.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 467)مصدر غير محدد١٥/٤٦٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة في قوله: {بِقُوَّةٍ} قالوا: «بجد واجتهاد ولزوم لأمر الله». وروى بسنده عن عبد الله بن بريدة في قوله: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} قال: «النبوة وهو صبي».
وروى الحاكم في المستدرك وصححه الذهبي، وابن كثير (ج 5، ص 218)مصدر غير محدد٥/٢١٨ عن معمر قال: قال الصبيان ليحيى بن زكريا وهو صبي: اذهب بنا نلعب، فقال: «ما للعب خُلقت»، فأنزل الله فيه: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}؛ وكان عليه السلام متفرغاً للعلم والفهم والعبادة والخشية منذ نعومة أظفاره، آتاه الله الفهم الثاقب للتوراة ومعرفة الأحكام وفصل القضاء بين الناس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«الْكِتَابَ»: التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، المشتملة على الشريعة والأحكام التي كان أنبياء بني إسرائيل يحكمون بها.
«بِقُوَّةٍ»: الباء للملابسة والمصاحبة، والقوة هنا ضد الضعف والفتور، والمراد بها: قوة العزم واليقين والهمة الصادقة والجد في الامتثال والتبليغ.
«الْحُكْمَ»: يطلق على معانٍ متقاربة: النبوة، والفهم الثاقب للكتاب، والحكمة في التصرف، وفصل القضاء بين المتنازعين.
«صَبِيًّا»: الصبي هو دون سن البلوغ، وهو مشتق من الصبوة؛ ونصبه على الحال لإظهار كمال الكرامة الإلهية بخرق العادة في نضجه وعقله.
الإعراب:
«يَا يَحْيَىٰ»: يا حرف نداء، يحيى منادى مبني على الضم المقدر في محل نصب، وجملة النداء مقول قول محذوف تقديره: قلنا يا يحيى.
«خُذِ»: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
«الْكِتَابَ»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
«بِقُوَّةٍ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل خذ، أي: خذه متلبساً بقوة وعزم.
«وَآتَيْنَاهُ»: الواو استئنافية أو عاطفة، آتينا فعل وفاعل ونا ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء مفعول به أول في محل نصب.
«الْحُكْمَ»: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
«صَبِيًّا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من الهاء في (آتيناه)؛ أي في حال صباه وصغره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإيجاز البليغ بطي ما بين البشارة بالولادة ومقام التكليف يبرز الهدف الأسمى من قصة يحيى وزكريا؛ فالغاية من ولادته لم تكن مجرد تكثير النسل أو التمتع بزينة الحياة الدنيا، وإنما كانت حمل أمانة الكتاب وحراسة التوحيد وإقامة شريعة الله في الأرض؛ فلما وصل إلى سن الفهم خوطب بالتكليف مباشرة.
واقتران أخذ الكتاب بالقوة مع إيتاء الحكم صبياً يبين أن التمكين في الدين يحتاج إلى أمرين متكاملين: العزيمة الماضية في التنفيذ (القوة)، والبصيرة النافذة في الإدراك والفصل (الحكم).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة استبعاد النبوة أو الحكم في سن الصبا:
قد يستشكل بعض المتفلسفة كيف يُؤتى الصبي قبل بلوغ الحلم النبوة أو كمال الحكم، والمدارك البشرية لا تنضج عادة إلا بعد الأربعين من العمر؟
والمحاكمة العقلية والشرعية تدحض هذا الاستبعاد:
أن النبوة والحكمة اصطفاء إلهي محض وفيض رباني لا يخضع لقوانين التطور البيولوجي والفكري المعتاد؛ فكما خلق الله يحيى من شيخين هرمين وعاقر، كذلك قادر على أن يفيض على عقله وقلبه من المعارف والرسوخ ما يعجز عنه الشيوخ المحنكون.
والشواهد القرآنية صريحة في خرق العادة لنوابغ الأنبياء: كيحيى في صباه، وعيسى في مهده {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}، ويوسف عليه السلام حين راودته التي هو في بيتها وكان فتى يافعاً آتاه الله حكماً وعلماً.
إيجاز الحذف الخارق: حذف قصة الحمل والولادة والرضاع والفطام للدلالة على أن هذه المراحل كانت تسير ببركة إلهية فائقة السرعة، ولتوجيه ذهن القارئ فوراً إلى الغاية العظمى وهي حمل الكتاب.
التنكير في «صَبِيًّا»: لإفادة التعظيم والتعجيب من حال هذا الصبي الذي فاق أقرانه وبز كبار زمانه بحكمة السماء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يضع هذا النص القرآني قاعدة ذهبية في التعامل مع كتاب الله وشريعته: «أخذ الكتاب بقوة»؛ فلا يجوز التهاون في أحكام الدين ولا تمييع ثوابته بدعاوى التراخي أو مواكبة الأهواء، بل يُؤخذ بيقين وثبات وجدية كاملة.
كما يرشد المربين إلى العناية بالأطفال وغرس معالي الأمور في نفوسهم منذ نعومة أظفارهم؛ فتربية النشء على استشعار الغاية والرسالية تسمو بعقولهم وتصرفهم عن سفاسف الأمور ولهو البطالين.