يصور الله تبارك وتعالى مشهد التكريم والرفعة الكبرى لأهل الإيمان والتقوى يوم القيامة؛ حيث يجمعهم الله ويحشرهم مساقين بكرامة وإجلال إلى ساحة رضوان الرحمن وكرامته وجنته وفداً مكرماً، كأشرف الوفود التي تقدم على الملوك العظام راكبين في موكب مهيب تتلقاهم الملائكة بالبشرى والتحية.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 607)مصدر غير محدد١٥/٦٠٧ عن عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في قوله: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا}: «قال علي بن أبي طالب: لا والله ما يُحشرون على أقدامهم، ولكن بنوقٍ رِحالُها الذهب، ونمارقُها السندس والإستبرق، وخطامها اللؤلؤ الرطب، فيركبون عليها حتى يأتوا أبواب الجنة وفداً مكرماً».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 256)مصدر غير محدد٥/٢٥٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: «الوَفْد: هم الركبان المكرمون، القادمون على الملوك للضيافة والجوائز؛ يحشر المتقون ركباناً على نجائب من نور إلى دار الكرامة وضيافة الرحمن الرحيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«يَوْمَ»: ظرف زمان متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يوم نحشر، أو بما بعده.
«نَحْشُرُ»: الحشر الجمع والسوق؛ واستعماله مع المتقين مقيداً بـ «وَفْدًا» يفيد سوق التكريم والإعزاز.
«إِلَى الرَّحْمَٰنِ»: تعدية الحشر بحرف الغاية (إلى) والمجرور اسم الجلالة «الرحمن» دلالة على أن منتهى مسيرهم ومقصدهم هو دار رحمته ورضوانه وجواره الكريم.
«وَفْدًا»: الوفد جمع وافد؛ وهم القوم الذين يقصدون الملوك والأكابر في قضايا عظيمة فيُكرمون ويُعطون الجوائز والضيافة، ولا يكون الوفد إلا ركباناً كراماً.
الإعراب والقراءات:
«يَوْمَ»: ظرف زمان منصوب متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر، أو بـ (لا يملكون).
«نَحْشُرُ»: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره نحن (قراءة الجمهور بالنون نَحْشُرُ)، وقرأ يعقوب الحضرمي: {يَوْمَ يُحْشَرُ} بضم الياء مبنياً للمجهول والمتقون نائب فاعل.
«الْمُتَّقِينَ»: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم (أو نائب فاعل مرفوع على قراءة يعقوب).
«إِلَى الرَّحْمَٰنِ»: جار ومجرور متعلق بـ (نحشر).
«وَفْدًا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من المتقين؛ أي حال كونهم وفداً ركباناً مكرمين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يرسم أبهى لوحة تكريمية في القرآن؛ فالتعبير بـ {إِلَى الرَّحْمَٰنِ} بدلاً من «إلى الجنة» يحمل سراً ذوقياً وإيمانياً فريداً؛ فالغاية العظمى التي يشتاق إليها المتقون ليست مجرد الأنهار والقصور، بل هي القدوم على «الرحمن» الكريم ولقاؤه ونيل رضوانه ورؤية وجهه الكريم.
وتنكير «وَفْدًا» يفيد التفخيم والتعظيم البالغ؛ وفداً لا يماثله وفد في تاريخ الملوك، تتسابق الملائكة لخدمتهم والاحتفاء بهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حقيقة ركوب المتقين في المحشر:
قد يستشكل البعض كيف يحشر الناس حفاة عراة غرلاً كما ثبت في الصحيحين، ثم يقال هنا إنهم يحشرون «وفداً ركباناً»؟
والمحاكمة الحديثية والتفسيرية تجمع بين النصوص بأحكم بيان:
أن الناس يخرجون من القبور ابتداءً حفاة عراة غرلاً لبيان أصل الفاقة والضعف البشري.
فإذا استقروا في ساحة المحشر، كُسي إبراهيم الخليل ثم الأنبياء ثم الصالحون، وقُربت للمتقين النجائب والمواكب النورانية تكريماً لهم، فيساقون إلى الجنة ركباناً وفداً، ويساق الكفار على وجوههم مشاة عطاشاً.
البلاغة في التعبير بـ «وَفْدًا»: استعارة تمثيلية مستمدة من أعراف التشريف؛ فالوفد يدخل على الملك مكرماً في أحسن زينة لينال العطايا، وتلك غاية الإكرام لأهل التقوى.
إسناد المقصد إلى اسم «الرَّحْمَٰنِ»: إشعار بأنهم وافدون على رب وسعت رحمته كل شيء، فلن يجدوا عنده إلا البشر والإنعام والعطاء الذي لا ينفد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص الشوق العظيم في قلب المؤمن؛ فيهون عليه عناء الدنيا ونصب الطاعات حين يستحضر ذلك الموكب النوراني المهيب يوم يقدم وفداً مكرماً على أرحم الراحمين.
والسبيل إلى حجز مقعد في هذا الوفد الشريف هو تحقيق «التقوى» في السر والعلن: مراقبة الله، وحفظ الصلوات، والبراءة من الشرك والمعاصي.