يصف الله تعالى نعيم أهل الجنة النفسي والسمعي والغذائي؛ فهم منزهون في دار النعيم عن سماع أي كلام باطل أو لغو ساقط أو شتم أو كذب، ولا يسمعون فيها إلا كلام السلام والأمان وتحية الملائكة وتحية بعضهم لبعض وسلام ربهم الكريم، ولهم فيها أرزاقهم ونعيمهم متواصلاً على وتيرة ما اعتادوه من مقادير الغداة والعشي في الدنيا؛ لإدخال السرور ومضاعفة النعيم.
روى الطبري (ج 15، ص 564)مصدر غير محدد١٥/٥٦٤ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله: {لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا}: «اللغو: الباطل والكذب وفضول الكلام والسب؛ لا يسمعون في الجنة إلا قولا سالماً مسلماً من العيوب، وسلام الملائكة عليهم، وسلام بعضهم على بعض».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 245)مصدر غير محدد٥/٢٤٥ عن ابن عباس وابن مسعود في قوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} قالا: «ليس في الجنة ليل ونهار، وإنما هي نور دائم مستمر وضياء يتلألأ، ولكنهم يقدّرون الأوقات بمقادير الليل والنهار في الدنيا، فيؤتون بأرزاقهم وتحفهم في أوقات الغداة والعشي كما كانت الملوك تتناول وجباتها في الدنيا تنعيماً وإكراماً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«لَغْوًا»: اللغو هو الكلام الساقط الباطل الذي لا فائدة فيه ولا خير من ورائه.
«إِلَّا سَلَامًا»: الاستثناء هنا منقطع؛ لأن السلام ليس من جنس اللغو، بل هو نقيضه؛ أو متصل على اعتبار جنس الكلام؛ أي لا يسمعون كلاماً إلا كلاماً سالماً مسلّماً مبرأ من اللغو.
«بُكْرَةً وَعَشِيًّا»: أوقات الصباح والمساء تقديراً؛ للدلالة على تواتر النعم وانتظام التحف الإلهية.
الإعراب:
«لَّا يَسْمَعُونَ»: لا نافية، يسمعون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
«فِيهَا»: جار ومجرور متعلق بـ (يسمعون).
«لَغْوًا»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
«إِلَّا سَلَامًا»: إلا أداة استثناء، سلاماً منصوب على الاستثناء المنقطع؛ أو بدل من (لغواً) على الاستثناء المتصل.
«وَلَهُمْ»: الواو عاطفة، لهم جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
«رِزْقُهُمْ»: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
«فِيهَا»: جار ومجرور متعلق بالاستقرار في الخبر أو بمحذوف حال.
«بُكْرَةً وَعَشِيًّا»: بكرة ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف حال من الرزق أو بالاستقرار، وعشياً معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ هذا النظم في تصوير كمال النعيم وطهارته! فنعيم الجنة لا يقتصر على الملذات الحسية من طعام وشراب وقصور، بل يبدأ بنعيم السمع والسكينة النفسية: {لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا}.
فالدنيا إنما يتنغص نعيمها بلغو المجالس، والطعن، والغيبة، والخصومات، والضجيج؛ فإذا طهرت الدار من اللغو وغمرها «السلام» اكتمل هناء العيش وطابت النفوس واستمتعت بالأرزاق الرغيدة بكرة وعشياً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة «بُكْرَةً وَعَشِيًّا» ودفع توهم تعاقب الليل والنهار في الجنة:
استشكل بعض الناس: كيف يقال: {بُكْرَةً وَعَشِيًّا} والجنة دار نور دائم لا شمس فيها ولا قمر ولا ليل يغشى، كما قال تعالى في سورة الإنسان: {لَّا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}؟
والمحاكمة النقلية والعقلية تجيب عن هذا الإشكال بإجماع السلف:
أن التعبير بـ «بكرة وعشياً» خرج مخرج التشبيه بما ألفه العرب في دار الدنيا من أوقات النعيم وتناول الطعام الملكي الرغيد في طرفي النهار.
وأن أهل الجنة يعرفون مقادير الأوقات ومقاييسها بعلامات وأنوار وارتفاع حجب وسدول يغير الله بها درجات الضياء؛ فيعلمون قدر الصباح والمساء في دار الخلد، فيؤتون بطيبات الأرزاق في تلك المقادير زيادة في البهجة وتجدداً للذة.
أسلوب الاستثناء المنقطع في {إِلَّا سَلَامًا}: تأكيد للمدح بما يشبه الذم؛ كقول الشاعر: «ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكتائبِ»؛ أي ليس هناك لغو أصلاً، وإنما كل ما يُسمع هو محض سلام وأمان وتحية طاهرة.
تكرار لفظ «السلام» في السورة: تناغم صوتي ووجداني يربط سلام يحيى وسلام عيسى بسلام أهل الجنة جميعاً في دار السلام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يرشد هذا النص المؤمن إلى تطهير لسانه وسمعه في الدنيا؛ فمن رغب في نعيم الجنة التي لا لغو فيها، فليصن سمعه عن الغيبة والنميمة وفضول القول في هذه الدار، ولتكن مجالسه مجالس ذكر وسلام وخير.
كما يعلمنا أن راحة البال وسلامة الصدر والنجاة من أذى الناس هي أعظم نعيم معجل يذوقه العبد في الدنيا قبل الآخرة.