يردع الله تبارك وتعالى هذا الكافر المتبجح بأشد صيغ الردع والزجر: «كَلَّا»؛ ليس الأمر كما تمنى وزعم، فلن يؤتى مالاً ولا ولداً في الآخرة، بل سنأمر الحفظة الكرام الكاتبين أن يسجلوا مقالته الكافرة واستهزاءه بالدين في صحيفة عمله، ونزيده ونطيل له في عذاب جهنم عذاباً متراكماً مديداً لا ينقطع جزاء افترائه وسخريته.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 598)مصدر غير محدد١٥/٥٩٨ عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {كَلَّا}: «ردع وزجر؛ أي ليس له ذلك ولا كرامة». وفي قوله: {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ}: «أي نحفظه عليه في ديوان أعماله لنجازيه به يوم القيامة». وقوله: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا}: «أي نزيد له في أنواع العذاب؛ عذاباً فوق عذاب كما مدّ في كفره وضلاله».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 253)مصدر غير محدد٥/٢٥٣ عن السلف أن السين في {سَنَكْتُبُ} دالة على سرعة التسجيل وإحكامه، وأن الزيادة في العذاب مقابلة لطول أمله وافترائه في دار الدنيا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«كَلَّا»: حرف ردع وزجر وإبطال لما تقدم؛ أي باطل ما قاله وزعمه.
«سَنَكْتُبُ»: السين للاستقبال والتأكيد؛ والكتابة التدوين والإثبات في صحائف الحفظة وفي اللوح المحفوظ؛ وهو كناية عن عدم إهماله ومجازاته عليه حتماً.
واستعمال لفظ «نَمُدُّ» هنا يقابل «فَلْيَمْدُدْ» في الآية (75)؛ فمن كان يُمد له في الدنيا استدراجاً بالأموال والأولاد، سيُمد له في الآخرة بالغل والأصفاد وألوان العذاب الحميم؛ جزاءً وفاقاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة «الكتابة الإلهية» وتنزيه الله عن العجز:
يعلم الله كل شيء قبل كونه ولا ينسى مثقال ذرة، فما فائدة «الكتابة» في الصحائف؟
والمحاكمة العقدية تبين أن كتابة أعمال العباد في الصحائف ليست لحاجة الله إليها، وإنما هي:
لإقامة الحجة القاطعة على العبد يوم القيامة حتى لا ينكر ما صدر منه؛ فإذا رأى كتابه مسطوراً بيده خضع واعترف.
وإظهاراً لكمال عدل الله تعالى؛ فلا يُعاقب العبد إلا بجرمه المكتوب المشهود عليه من الحفظة والجوارح.
البلاغة في الردع بـ «كَلَّا»: كلمة قاطعة تسكت المتكلم وتهدم كل بنيانه الوهمي بصرامة وجلال.
التوكيد بالمصدر «مَدًّا»: إشعار بأن العذاب ليس عذاباً محدوداً ولا منقطعاً، بل هو مد ممتد متصل يغشى الكافر من كل جانب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يوجب هذا النص الحذر الشديد من «فلتات اللسان» والاستهزاء بالدين وأحكامه؛ فكل كلمة تخرج من الفم تُكتب وتُحفظ: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
كما يسكب طمأنينة في قلب المؤمن المظلوم؛ فالظالم الذي يبطش بلسانه أو سلطانه ستكون كل كلماته حبالاً من لهب تزيد في عذابه يوم القيامة.