بعد أن منّ الله عليها بتفجير الماء الزلال للشرب والتطهر، وجهها إلى رزق الطعام والغذاء الأمثل للنفساء؛ فأمرها أن تهز وتحرك نحوها جذع النخلة اليابسة التي تستند إليها، لتتساقط عليها تمراً رطباً غضاً طرياً شهياً مجنياً من ساعته.
روى الطبري (ج 15، ص 493)مصدر غير محدد١٥/٤٩٣ عن ابن عباس وعمرو بن ميمون الأودي قال: «ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، وتلا هذه الآية: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}». وروى عن قتادة والضحاك والسدي أن تلك النخلة كانت نخلة يابسة لا ثمر عليها ولا خضرة، فلما هزتها مريم أورقت وأثمرت وأنضجت رطباً جنياً في الحال، تساقط عليها بكرامة الله تعالى.
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 227)مصدر غير محدد٥/٢٢٧ أن أمرها بالهز مع شدة ضعفها ونفاسها كان لحكمة جليلة؛ وهي تعليم العباد الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب الظاهرة المتاحة مهما كانت ضعيفة وضئيلة؛ فالأمر بالهز سبب، وإنزال الرطب من الشجرة اليابسة معجزة ربانية خالصة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَهُزِّي»: الهز هو التحريك الشديد المتتابع؛ يقال: هززت الشيء أهزه هزاً إذا حركته جذباً ودفعاً.
«إِلَيْكِ»: جار ومجرور ضمن معنى الجذب والإمالة؛ أي أَميلي وحرّكي الجذع نحوكِ.
قراءة يعقوب والأعمش: {تَسَّاقَطْ} بفتح التاء وتشديد السين (وأصله تتساقط فأدغمت التاء في السين).
«عَلَيْكِ»: جار ومجرور متعلق بـ (تساقط).
«رُطَبًا»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة (على قراءة تُساقط)، أو فاعل (على قراءة تساقَط).
«جَنِيًّا»: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل أروع توازن بين عالم الأسباب الدنيوية وعالم الغيب والقدرة الإلهية؛ فالله سبحانه الذي فجر لها السريّ دون أي جهد منها، كان قادراً على أن يسقط عليها الرطب دون أن تمد يدها، ولكنه أمرها أن تهز الجذع؛ ليعلم الإنسان ألا يعطل حركة السبب الممكنة مهما بلغت حالته من الضعف والوهن.
واختيار الرطب بالذات للمرأة النفساء فيه إعجاز علمي وتغذوي باهر؛ فالرطب غني بالسكريات الأحادية السريعة الامتصاص التي تعيد إلى البدن طاقته المفقودة في النزيف والمخاض، وفيه مواد تقبض عضلات الرحم وتمنع نزيف ما بعد الولادة، وهذا من تمام لطف الله بعباده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
محاكمة التوكل الشرعي ودحض التواكل المذموم:
ظن بعض المبتدعة أن كمال التوكل يقتضي ترك الأسباب والجلوس دون سعي طلباً للرزق الخارق.
والمحاكمة العقلية والشرعية التي سطرها الإمام القرطبي تدحض هذا الانحراف: قال القرطبي: «أمرها الله بهز الجذع مع ضعفها؛ ليعلم أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب، فلو شاء لألقى الرطب إليها بلا هز، ولكنه أراد أن يعلمها ويعلم العباد سنة التكليف؛ كما قال الشاعر:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ قَالَ لِمَرْيَمٍ ... وَهُزِّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبْ
وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيهِ مِنْ غَيْرِ هَزِّهَا ... جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ رِزْقٍ لَهُ سَبَبْ».
البلاغة في توجيه الهز نحوها {إِلَيْكِ}: إشارة إلى أنها لا تكلف بهز الجذع كله هزاً عنيفاً يقهر الشجرة الراسخة؛ بل تميل الجذع الرخو نحو جهتها برفق وميسرة، فينهمر عليها الرطب انهماراً بإذن الله.
التنكير في «رُطَبًا جَنِيًّا»: للتفخيم والتكريم؛ رطب من أطيب الأنواع، شهي الهيئة، طري القطاف، مهيأ لغذائها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص الأمة على واجب بذل الجهد والأخذ بالأسباب المتاحة ولو كانت ضئيلة في نظر الناس؛ فالأثر والنتيجة هبة من الله وليست من كفاءة السبب المجرد؛ فالمؤمن يبذل ما في وسعه بيقين، ويتكل على فضل ربه ومشيئته.
كما يرشد الطب الوقائي إلى أهمية التغذية الطبيعية السليمة للمرأة في مرحلة الحمل والولادة، وتقديم ما ييسره الله من النعم الطيبة.