يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين سنة الله الماضية في استدراج أهل الغرور والضلالة؛ فمن اختار الكفر والضلال ورضي بهما، فإن سنة الله وسنة الرحمن أن يمد له في عمره وماله ورزقه استدراجاً وإملاءً، حتى إذا عاينوا ما يوعدون به: إما العذاب العاجل بالقتل والأسر في الدنيا (كيوم بدر)، وإما قيام الساعة والمصير إلى جهنم؛ فحينئذ يعلمون يقيناً من هو شر مسكناً ومنزلاً، ومن هو أضعف جنداً وناصراً: أهل الإيمان أم أهل الكفران؟!
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 590)مصدر غير محدد١٥/٥٩٠ عن مجاهد وقتادة في قوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا}: «هذا أمر معناه الخبر؛ أي يملي له الرحمن في طغيانه ويمد له في دنياه استدراجاً له؛ كقوله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا}». وفي قوله: {إِمَّا الْعَذَابَ}: «أي بالقتل والسبي في الدنيا على أيدي المؤمنين، {وَإِمَّا السَّاعَةَ} أي عذاب النار يوم القيامة».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 252)مصدر غير محدد٥/٢٥٢ عن السلف أن في قوله: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا} مقابلة وجواباً مباشراً لقولهم السابق: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا}؛ فالرد النهائي الحاسم سيكون عند معاينة عذاب الدنيا أو أهوال القيامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«فَلْيَمْدُدْ»: المد هو الزيادة والإطالة والإمهال والإملاء في الشيء؛ ومددت له إذا أوسعت له في الأجل والنعمة استدراجاً.
«إِمَّا الْعَذَابَ»: إما التفصيلية؛ والعذاب المراد به عذاب الدنيا بالسيف والأسر والهزيمة.
«وَإِمَّا السَّاعَةَ»: القيامة وأهوالها.
«جُندًا»: الجند هم الأعوان والأنصار والجيوش التي يعتمد عليها في المنعة والنصرة.
الإعراب:
«قُلْ»: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
«مَن كَانَ»: من اسم شرط جازم أو اسم موصول مبتدأ، كان فعل ماض ناقص واسمها مستتر.
«فِي الضَّلَالَةِ»: جار ومجرور في محل نصب خبر كان.
«فَلْيَمْدُدْ»: الفاء رابطة لجواب الشرط (أو لخبر الموصول)، اللام لام الأمر لفظاً والخبر معنى، يمدد فعل مضارع مجزوم بالسكون.
«لَهُ»: جار ومجرور متعلق بـ (يمدد).
«الرَّحْمَٰنُ»: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
«مَدًّا»: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة.
«حَتَّىٰ»: حرف غاية وابتداء.
«إِذَا»: ظرف زمان تضمن معنى الشرط.
«رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ»: فعل وفاعل، ما موصول مفعول به، يوعدون صلة الموصول.
«إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ»: إما تفصيلية، العذاب بدل من (ما) منصوب بالفتحة، والساعة معطوف عليه.
«وَأَضْعَفُ جُندًا»: معطوف على ما قبله وجنداً تمييز.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يكشف عن حكمة تدبير الله في إمهال الظالمين؛ فالله تعالى لا يعاجل العاصي بالعقوبة بمجرد كفره، بل يمد له في الأسباب لتقوم عليه الحجة وتستحكم جريمته، حتى إذا أخذ لم يفلته.
والرد القرآني الصاعق بمقابلة ألفاظهم:
هم تفاخروا بـ {خَيْرٌ مَّقَامًا}، فجاء الرد: {شَرٌّ مَّكَانًا}.
وتفاخروا بـ {أَحْسَنُ نَدِيًّا} بمجالسهم وجيوشهم، فجاء الرد: {أَضْعَفُ جُندًا}.
لتتحول مفاخرتهم إلى عين خسرانهم وهوانهم عند معاينة العذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معنى صيغة الأمر في «فَلْيَمْدُدْ» ودفع توهم إرادة الكفر:
قد يستشكل بعض الناس مجيء اللام بصيغة الأمر في قوله {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا}؛ فيتوهم أن الله يأمر بالضلال أو يحبه!
والمحاكمة العقدية واللغوية تسقط هذا الوهم:
أن صيغة الأمر هنا تفيد معنى «الخبر والتقدير الإلهي المحتوم والتهديد والخذلان»؛ كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، وهو أمر تسخير وإملاء وليس أمر تشريع ومحبة.
والمعنى: من اختار الضلالة بكسبه وإرادته استدرجه الله بمقتضى سنته ومكن له في الدنيا ليزداد إثماً، جزاءً وفاقاً لردته وإعراضه عن الآيات البينات.
المقابلة الإعجازية البديعة: مقابلة المكان بالمقام، والجند بالنادي، والشر بالخير؛ لإسقاط كبرياء المشركين في نفس الميدان الذي تفاخروا به.
التوكيد بالمصدر «مَدًّا»: إشعار بعظم الإمهال والاستدراج وتوالي النعم المادية التي تغر الغافل حتى يظن أنه لن يُحاسب، فإذا بالعذاب يباغته فجأة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المؤمنين على عدم الجزع من تمكين الظالمين وإمهالهم في الدنيا؛ فالمد الدنيوي ليس كرامة بل هو استدراج إلهي مخيف: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ».
كما يعلمنا أن القوة الحقيقية ليست بكثرة الجند والعتاد، بل بالاعتصام بحبل الله المتين؛ فمن كان الله ناصره فلا غالب له.