يعطف الله تبارك وتعالى على ما آتاه من الحكم نعماً وصفات ربانية جليلة اختص بها يحيى عليه السلام: وهي الحنان الذي غرس في قلبه، والزكاة والطهارة التي زكى الله بها نفسه، والتقوى الملازمة له في سره وعلنه.
روى الطبري (ج 15، ص 470)مصدر غير محدد١٥/٤٧٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لا أدري ما الحنان؟ إلا أن الحنان: الرحمة والرأفة والمحبة». وروى عن عكرمة وقتادة قالا: «الحنان: رحمة من عندنا تعطفاً عليه وعلى والديه وعلى سائر عباد الله».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 219)مصدر غير محدد٥/٢١٩ عن مجاهد قال: «الحنان: الرقة والرحمة والتعطف على الناس»، وعن قتادة في قوله: {وَزَكَاةً} قال: «الزكاة: العمل الصالح، والطهارة من الذنوب والعيوب». وقوله: {وَكَانَ تَقِيًّا}: أي مطيعاً لربه، مجتنباً لمناهيه، مقبلاً على مراضيه، لم يتلبس بخطيئة قط كما ورد في الأثر المروي عن ابن عباس عند أحمد والبزار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«حَنَانًا»: الحنان في اللغة مشتق من الحنّ وهو العطف والرقة والشوق؛ يقال: حننت عليه أحن حناناً إذا عطفت عليه ورحمته؛ وتحنّن عليه: رق له وأشفق عليه. وهو رحمة خاصة من الله تصحبه وتجعل في قلبه رقة بالغة على الخلق.
«مِّن لَّدُنَّا»: من عندنا خاصة بفيض فضلنا وعنايتنا التي لا تدركها الأسباب البشرية.
«زَكَاةً»: الزكاة هي الطهارة والنماء والبركة؛ فطهر الله نفسه من الأدناس والآثام ونمّى خصاله بالفضائل.
«تَقِيًّا»: فعيل من التقوى، وهو الذي اتخذ بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
الإعراب:
«وَحَنَانًا»: الواو عاطفة، حناناً مفعول به ثانٍ معطوف على (الحكم) في الآية السابقة؛ أي: وآتيناه الحكم وحناناً، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: وتحنّنا عليه حناناً.
«وَزَكَاةً»: معطوف على (حناناً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
«وَكَانَ تَقِيًّا»: الواو عاطفة أو استئنافية، كان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو، تقياً خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الترتيب النظمي يجمع أركان الشخصية النبوية والرسالية في أبهى صورها؛ فبعد أن أمره بأخذ الكتاب بقوة وآتاه الحكم، قرن ذلك بـ {وَحَنَانًا} و{زَكَاةً}؛ لئلا يُظن أن القوة تعني الغلظة والجفاء، بل جاءت القوة ممتزجة بأعلى درجات الرحمة والرقة والتعاطف مع الخلق، ومزكاة بالطهارة ونقاء السريرة، ومتوجة بالتقوى الدائمة.
وتنكير «حناناً» و«زكاة» يفيد التعظيم البالغ؛ أي رحمة ورقة فائقة لا يقادر قدرها، وطهارة مطلقة من كل دنس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع وهم التعارض بين قوة أخذ الكتاب ورقة الحنان:
قد يتوهم قاصر الفهم أن هناك تضاداً بين الأمر بـ {خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} وبين وصفه بـ {وَحَنَانًا}؛ فيظن أن القوة تستلزم القسوة وأن الحنان يستلزم الضعف والتهاون.
والمحاكمة العقلية والتربوية تكشف كمال هذا الجمع الإعجازي: إن القوة المحمودة في الشريعة هي صلابة المبدأ وثبات اليقين والجد في الحق، والحنان المحمود هو رقة القلب ولطف المعاملة والرحمة بالخلق؛ فإذا اجتمعا في العبد كان أكمل الخلق؛ كما قال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب للحق كأنه منذر جيش، ويفيض قلبه رحمة حتى يبكي لبكاء الصبي الرضيع.
إضافة المصدر إلى ضمير العظمة {مِّن لَّدُنَّا}: تشريف باهر لذلك الحنان وتلك الرقة؛ فليست مجرد عاطفة غريزية فطرية، وإنما هي قبس من رحمة الرحمن الخاصة أودعها في قلب هذا النبي الكريم.
صيغة المبالغة في «تَقِيًّا»: على وزن فعيل تدل على تغلغل التقوى في كيانه حتى أصبحت سجية راسخة لا تنفك عنه في أي لحظة من لحظات عمره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يلقي هذا النص درساً بليغاً للدعاة إلى الله والمربين: إن الدعوة إلى الله لا تثمر إلا إذا اجتمعت فيها قوة العلم والبيان مع رقة الحنان والشفقة على المدعوين؛ فالحزم بلا رحمة قسوة وتنفير، والرحمة بلا حزم تمييع وتضييع للحقوق.
كما يحث المؤمن على تزكية نفسه وتطهيرها من شوائب الحسد والغل والبغضاء؛ فإن القلوب الرحيمة التقية الطاهرة هي أحب القلوب إلى الله وأقربها إلى رحمته.