يبين الله تعالى نظام الفصل والحساب الإلهي في هؤلاء المجرمين؛ فبعد إحضارهم حول جهنم، يأمر الله بانتزاع وجذب وفصل رؤساء الضلالة وقادة الكفر وأئمة الطغيان من كل طائفة وشيعة؛ ليعجل بهم إلى النار ولتبدأ بهم العقوبة؛ لأنهم كانوا أشد الناس عتواً وتمرداً وتكبراً وجحوداً لربهم الرحمن الرحيم.
روى الطبري (ج 15، ص 577)مصدر غير محدد١٥/٥٧٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ}: «الشيعة: الفرقة والملة؛ أي لننزعن ولنأخذن من كل طائفة ودين قادتهم ورؤساءهم وأكابر مجرميها، الذين كانوا أشد عتواً وكبراً على الله، فنقذفهم في النار أولاً؛ ثم يتبعهم الأتباع».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 249)مصدر غير محدد٥/٢٤٩ عن قتادة قال: «يبدأ بالأكابر فالأكابر، والأعتى فالأعتى؛ لأن رؤوس الضلال هم الذين سنّوا الكفر وأضلوا الأتباع، فكانوا أحق بتقديم العقوبة ومضاعفة العذاب؛ كما قال تعالى: {رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«لَنَنزِعَنَّ»: النزع هو الجذب والقلع بقوة وشدة؛ يقال: نزع الشيء ينزعه إذا استخرجه وجذبه بعنف من مقره.
«شِيعَةٍ»: الشيعة هم القوم الذين يشايع بعضهم بعضاً على مذهب أو رأي ويتعصبون له.
«عِتِيًّا»: العتو هو مجاوزة الحد في الظلم والتكبر والتمرد والعناد؛ وهو مأخوذ من اليبس والصلابة في الباطل.
الإعراب:
«ثُمَّ»: حرف عطف للتراخي في الرتبة والتهويل.
«لَنَنزِعَنَّ»: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، ننزعن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والفاعل مستتر تقديره نحن.
«مِن كُلِّ شِيعَةٍ»: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ (ننزعن).
«أَيُّهُمْ»: اسم موصول مبني على الضم في محل نصب مفعول به لـ (ننزعن)؛ وبني على الضم لأنه أضيف وحذف صدر صلته تقديره: لننزعن الذي هو أشدهم؛ وقيل: استفهامية معلقة للفعل ننزع لتضمنه معنى العلم؛ والأول هو مذهب سيبويه وأئمة البصرة.
«عَلَى الرَّحْمَٰنِ»: جار ومجرور متعلق بـ (عتياً) أو بـ (أشد).
«عِتِيًّا»: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة محول عن الفاعل والمبتدأ؛ أي عتوهم أشد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يفيض بالعدل الإلهي المطلق؛ فالعذاب لا يُلقى عشوائياً، بل يُفرز المجرمون بدقة إلهية متناهية، ويُنتزع قادة الفتنة انتزاعاً مذلاً من بين شيعهم ليكونوا عبرة لمن اتبعوهم.
واقتران العتو باسم «الرَّحْمَٰنِ» {أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا} يضاعف شناعة جرمهم؛ فالعتو في وجه القهار شنيع، ولكنه في وجه «الرحمن» الذي غمرهم برحمته ونعمه في الدنيا غاية الوقاحة واللؤم والجحود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق المسألة النحوية في بناء «أيّهم» على الضم:
استشكل بعض النحاة بناء «أيّ» في قوله {أَيُّهُمْ أَشَدُّ} مع كونها معربة دائماً في لغة العرب.
والمحاكمة النحوية الشهيرة التي قررها سيبويه تثبت إعجاز النص: إن «أيّ» الموصولة إذا أضيفت وحُذف صدر صلتها (الضمير المبتدأ) وجب بناؤها على الضم وفاقاً لكلام العرب الفصحاء؛ وهو ما تحقق هنا: أضيفت إلى الضمير {هُمْ} وحذف صدر صلتها (هو)، فبنيت على الضم في محل نصب؛ وهذا من دقائق فصاحة القرآن وإعجازه النحوي.
البلاغة في التعبير بـ «لَنَنزِعَنَّ»: استعارة حسية تمثيلية لقلع الرؤساء من بين جموعهم كما تُنزع الشوكة من الصوف المبتل، أو يُنزع العرق الفاسد؛ لإشعارهم بالهوان والعجز التام.
التعبير بـ «شِيعَةٍ»: تنفير من التحزب في الباطل؛ فكل أهل ضلال شيعة يلتقون على العناد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يحذر هذا النص قادة المجتمعات والمؤثرين من الدعوة إلى الباطل والضلال؛ فرؤوس الضلالة يحملون أوزارهم وأوزار من أضلوهم إلى يوم القيامة، وهم أول من يُنتزع للعذاب في نار جهنم.
كما يعلم الأتباع ألا ينقادوا عمياناً لكبراء الضلال؛ فإن الكبراء سيتبرؤون منهم يوم القيامة ولن يغنوا عنهم من الله شيئاً.