بعد أن نفخ جبريل عليه السلام في جيب درعها بأمر الله وقدرته، نزلت تلك النفخة الإلهية فاستقرت في رحمها وعلقت به نطفة المسيح عيسى عليه السلام، فلما أحست بالحمل واستقر في بطنها اشتد كربها وخافت من مقالة قومها وسوء ظنهم، فتنحت واعتزلت بعيداً عن أعين الناس إلى مكان بعيد قاصٍ (بيت لحم في أرض الشام).
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 485)مصدر غير محدد١٥/٤٨٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما نفخ جبريل في جيب درعها دخلت النفخة إلى الرحم فحملت بعيسى، فلما ظهر حملها ضاقت به ذرعاً واستحيت من قومها، فانتبذت به مكاناً قصياً؛ أي بعيداً نائياً عن أعين عشيرتها». وروى عن قتادة ومجاهد أن هذا المكان القصي هو وادٍ ببيت لحم بينه وبين إيلياء (القدس) نحو ستة أميال أو ثمانية أميال.
واختلف السلف في مدة حملها: فروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في رواية أنها ولدته من ساعتها؛ وهو قول شاذ عند المحققين. وذهب الجمهور من أئمة التفسير والسلف كابن عباس في الرواية الأصح، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وابن كثير (ج 5، ص 224)مصدر غير محدد٥/٢٢٤ إلى أن حملها كان حملاً طبيعياً يستغرق عدة أشهر، وذاقت فيه ما تذوقه الحوامل من الثقل والتغير؛ لتكتمل سنن الخلق البشري في جسدها الشريف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«فَحَمَلَتْهُ»: الفاء عاطفة تفيد التعقيب المباشر لنفخ الروح، وحملته في بطنها كما تحمل النساء.
«فَانتَبَذَتْ بِهِ»: الباء للمصاحبة؛ أي اعتزلت متلبسة به في بطنها، أو باء التعدية.
«مَكَانًا قَصِيًّا»: القصي هو البعيد الشاسع؛ يقال: قَصُوَ المكان يَقْصُو قَصَاءً وقَصْواً إذا بَعُدَ، ومكان قصيّ أي قاصٍ ناءٍ منقطع عن حركة الناس.
الإعراب:
«فَحَمَلَتْهُ»: الفاء عاطفة، حملت فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، والهاء مفعول به في محل نصب.
«فَانتَبَذَتْ بِهِ»: الفاء عاطفة، انتبذت فعل ماض والفاعل مستتر والتاء للتأنيث، به جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل انتبذت أو متعلق بـ (انتبذت).
«مَكَانًا»: ظرف مكان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بـ (انتبذت) أو مفعول به على التوسع.
«قَصِيًّا»: نعت لـ (مكاناً) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ هذا النظم في تصوير غربة الصديقة مريم! فبعد أن كانت منعزلة في المحراب طلباً للعبادة {انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا}، ها هي تضطرها المحنة الجديدة إلى انتباذ أشد وأقسى {فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا}؛ فراراً بعرضها ودينها، واستعداداً للحظة المخاض والولادة بعيداً عن ألسنة السوء.
وترتيب الأفعال بحرف الفاء العاطفة للتعقيب (فحملته فـانتبذت) يبرز سرعة حركتها ومسارعتها للاحتماء بالخلوة النائية حذراً من الفضيحة واضطراب النفوس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة توهم مدة الحمل الخارقة والرد على الروايات الإسرائيلية:
رويت بعض الروايات الإسرائيلية والمرويات الضعيفة التي تزعم أن مريم حملت بعيسى وولدت في ساعة واحدة، أو في ثمانية أشهر، أو في تسع ساعات.
والمحاكمة العقدية والنقلية التي حررها ابن كثير وابن تيمية تبين أن ظاهر القرآن وسياق الآيات يدل على أنها حملت به كحمل سائر النساء، ولذلك ظهر حملها وعاينه قومها حتى قال لها يوسف النجار أو غيره من قرابتها ما قال في الإسرائيليات؛ فلو كان الحمل والولادة في ساعة واحدة لم تكن هناك حاجة لأن تفر به مكاناً قصياً وتبتعد عن أهلها وتذوق آلام المخاض وجوع النفاس؛ فالأصل في أفعال الله إعمال سنن الخلق إلا ما خصه الدليل بخرق صريح، والخرق هنا كان في بدء التخليق بلا ذكر لا في زمن التخليق في الرحم.
البلاغة في التعبير بـ «قَصِيًّا»: اختيار هذا الوصف يعكس البعد النفسي والوجداني قبل البعد الجغرافي؛ فقد شعرت بوحشة شديدة وانقطاع تام عن السند البشري، فكان المكان القصي مرآة لغربتها الروحية العميقة.
التدبر في أقدار الابتلاء: أشد الناس ابتلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؛ وهذه سيدة نساء العالمين تحمل أعظم أنبياء الله في بطنها، وتبيت وحيدة في الصحراء مطرودة خوفاً من التهمة، ليعلم المؤمن أن رفعة الدرجات لا تنال إلا بالصبر على البلاء الشديد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا المشهد قلوب الدعاة والمصلحين على الصبر عند سوء ظن الناس وتكالب الشائعات الباطلة؛ فالصادق المحق قد يُرمى بأقبح التهم ويضطر إلى اعتزال الخلق، ولكن الله الذي يعلم سره وعلانيته لن يضيعه.
كما يرشد إلى مشروعية الابتعاد عن مواطن الفتنة والشبهات صيانة للعرض ودفعاً لألسنة السوء، حتى يأتي نصر الله وبرهانه الحق.