يواصل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام كلامه وحجته، أو يقرر الله تعالى بأمره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته: إن الله وحده لا شريك له هو ربي وخالقي ورازقي، وهو ربكم جميعاً وخالقكم، فأفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، فهذا التوحيد والعبادة الخالصة لله هو الصراط المستقيم الموصل إلى جنات النعيم والنجاة من النار.
روى الطبري (ج 15، ص 516)مصدر غير محدد١٥/٥١٦ عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} قالوا: «هذا من تمام كلام عيسى عليه السلام حين نطق في المهد؛ أقر بربوبية الله له ولهم، وأمرهم بعبادة الله وحده، وأخبر أن هذا هو الطريق القويم الذي لا عوج فيه».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 232)مصدر غير محدد٥/٢٣٢ عن أئمة السلف أن هذا النص يمثل أصل دعوة المسيح لبني إسرائيل كما جاء في سورة المائدة: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«رَبِّي وَرَبُّكُمْ»: الرب هو الخالق المالك المدبر المربي بالنعم، ومساواة عيسى لنفسه مع قومه في العبودية والمربوبية برهان على بشريته.
«فَاعْبُدُوهُ»: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر؛ أي إذا كان هو ربكم فاعبدوه وحده.
«صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ»: الصراط هو الطريق الواضح الواسع، والمستقيم هو القويم الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
الإعراب والقراءات:
«وَإِنَّ اللَّهَ»:
قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم: {وَإِنَّ اللَّهَ} بكسر همزة «إنّ» على الاستئناف أو عطفاً على جملة (إني عبد الله) من مقول القول لعيسى.
قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم: {وَأَنَّ اللَّهَ} بفتح همزة «أنّ» عطفاً على قوله: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ... وَأَنَّ اللَّهَ رَبِّي}، أو بتقدير لام التعليل: ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه.
«اللَّهَ»: اسم إن (أو أن) منصوب بالفتحة الظاهرة.
«رَبِّي»: خبر مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
«وَرَبُّكُمْ»: معطوف على (ربي) مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه.
«فَاعْبُدُوهُ»: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، اعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به في محل نصب.
«هَٰذَا»: ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
«صِرَاطٌ»: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
«مُّسْتَقِيمٌ»: نعت لـ (صراط) مرفوع بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يضع أصل الدعوة الإلهية في مسارها الحتمي؛ فبعد أن أثبت عيسى أنه عبد الله، ونفى الله عن نفسه اتخاذ الولد، جاءت هذه الآية لتلخص الموقف العملي المطلوب من البشرية:
حصر النجاة في هذا الطريق وحده: {هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.
والمطابقة بين كسر الهمزة في القراءة العامة وعطفها على أول كلام عيسى {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} تؤكد وحدة الرسالة وانسجام المنطق النبوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض مغالطة التناقض بين الربوبية والعبادة:
تزعم النصارى أن عيسى يستحق العبادة لأنه أظهر معجزات إحياء الموتى وإبراء الأكمه.
والقرآن يحاكمهم بعقلانية ساطعة: إن المعجزات فعلها الله على يديه بإذن الله، وعيسى نفسه يصرخ في وجوهكم: {رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ}؛ فكيف تعبدون من يعترف بأن الله ربه وخالقه ومدبر أمره؟! هل يعبد المخلوق رباً مثله في العبودية؟! فكان هذا القول النبوي كفيلاً بإبطال كل دعاوى الشرك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
المساواة في الربوبية {رَبِّي وَرَبُّكُمْ}: تسوية بيانية معجزة تقطع دابر التمايز الطبقي واللاهوتي؛ فالمسيح يضع نفسه في خندق العبودية مع سائر بني آدم في مواجهة رب واحد يملك الجميع.
الحصر والإشارة في {هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}: حصر طريق النجاة والهدى في التوحيد والعبادة الخالصة، والإشارة بـ «هذا» للقريب تفيد وضوح الطريق ويسره لمن أراد الاستقامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص الدعاة إلى الله على وضوح الغاية والهدف؛ فالغاية الأولى والأخيرة من بعثة الرسل وإنزال الكتب هي تعبيد الناس لرب العالمين وحده لا شريك له.
ويدرك المسلم أن سلامة منهجه ونجاته مرتبطة بلزوم هذا «الصراط المستقيم»؛ الذي لا غلو فيه كالرهبانية والتأليه، ولا انحلال فيه ولا جفاء.