حين نفذ إبراهيم عليه السلام عزمه وهاجر في سبيل ربه، وفارق أباه وقومه ومعبوداتهم الباطلة محتملاً مرارة الغربة والوحدة، تداركه الفضل الإلهي بالعوض الأعظم والكرامة الكبرى؛ فرزقه الله على الكبر من زوجته سارة ابنه إسحاق، ومن وراء إسحاق حفيده يعقوب، وجعل كلاً منهما نبياً كريماً مصطفى، فكان هذا أعظم أنس وأجل عوض ناله في الدنيا والآخرة.
روى الطبري (ج 15، ص 538)مصدر غير محدد١٥/٥٣٨ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}: «أي لما فارق قومه وأوثانهم إلى الأرض المباركة، آنس الله وحشته وأبدله بقومه الكافرين ذرية طيبة مؤمنة، فوهب له إسحاق ولداً، ويعقوب نافلة، وجعل كلاً منهما نبياً يوحى إليه».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 237)مصدر غير محدد٥/٢٣٧ عن أئمة السلف: «هذا هو العوض الإلهي الباهر؛ ترك أباه المشرك وعشيرته الكافرة لله، فوهب الله له أولاداً وأحفاداً أنبياء أئمة يُهتدى بهم في العالمين، وتفرعت منهم سائر أنبياء بني إسرائيل حتى عيسى بن مريم؛ فما ترك عبد شيئاً لله إلا أبدله الله خيراً منه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«اعْتَزَلَهُمْ»: فارقهم بالبدن والدين وهاجر عن ديارهم.
«يَعْبُدُونَ»: عبر بالعبادة هنا بينما قال في الآية السابقة {تَدْعُونَ}؛ لبيان أن دعاءهم للأصنام هو عين عبادتهم لها؛ فالدعاء هو العبادة.
«وَهَبْنَا»: الهبة العطاء الخالص بلا مقابل؛ ونسبها لنون العظمة الإلهية دلالة على جلال الفضل.
«إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ»: علمان أعجميان ممنوعان من الصرف للعلمية والعجمة؛ وإسحاق هو الابن، ويعقوب هو الحفيد بن إسحاق؛ ووهبهما إياه وبشره بهما في آن واحد.
الإعراب:
«فَلَمَّا»: الفاء استئنافية، لما ظرفية شرطية حينية غير جازمة.
«اعْتَزَلَهُمْ»: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، وهم مفعول به، والجملة مضاف إليه لـ (لما).
«وَمَا يَعْبُدُونَ»: الواو عاطفة، ما موصول معطوف على الضمير، يعبدون صلة الموصول.
«مِن دُونِ اللَّهِ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال.
«وَهَبْنَا»: فعل ماض ونا فاعل، والجملة جواب شرط لما لا محل لها من الإعراب.
«لَهُ»: جار ومجرور متعلق بـ (وهبنا).
«إِسْحَاقَ»: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة غير منون.
«وَيَعْقُوبَ»: معطوف على إسحاق منصوب بالفتحة غير منون.
«وَكُلًّا»: مفعول به أول مقدم للفعل جعلنا، منصوب بالفتحة الظاهرة، والتنوين تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف؛ أي وكلَّ واحدٍ منهما.
«جَعَلْنَا»: فعل وفاعل.
«نَبِيًّا»: مفعول به ثانٍ لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يرتب النتائج على مقدماتها بأبدع نسق؛ فترتيب الهبة العظيمة بعد حرف الشرط والتعقيب {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ... وَهَبْنَا لَهُ} يبين أن الفتوحات والكرامات الربانية تتنزل عقب المفاصلة والتضحية في سبيل الله؛ فحين يصدق العبد في البراءة من الباطل تتفجر له ينابيع الهبات.
وتخصيص هبة إسحاق ويعقوب بالذكر هنا مع كون إسماعيل هو البكر والأكبر؛ لأن السياق في سورة مريم يعرض موكب سلالة إسرائيل (يعقوب) تمهيداً لذكر زكريا ويحيى وعيسى وموسى، وسيفرد إسماعيل بالذكر والثناء المستقل في الآية (54) بصفة خاصة {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة إغفال ذكر إسماعيل عليه السلام هنا:
قد يظن جاهل أن عدم ذكر إسماعيل مع إسحاق ويعقوب هنا فيه غض من منزلته.
والمحاكمة النظمية والسياقية تدحض هذا الوهم:
أن يعقوب وُلد لإسحاق فكان ذكره معه بشارة مضاعفة بالولد وولد الولد في حياة إبراهيم، كما قال في هود: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}.
أن إسماعيل عليه السلام خصه الله بالذكر المستقل المفصل في الآيات اللاحقة من السورة نفسها (الآيات 54-55) تعظيماً لشأنه وإشادة بصدق وعده وأمره أهله بالصلاة والزكاة؛ فكان إفراده تشريفاً وتكريماً فائقاً له.
تقديم المفعول في {وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا}: إفادة الشمول والتعميم والإحاطة؛ فلم تكن النبوة في أحدهما دون الآخر، بل جعل الله كلاً منهما نبياً كريماً، فصار بيت إبراهيم مجمع النبوات ومهبط الوحي.
التنكير في «نَبِيًّا»: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي نبياً رفيع المنزلة عظيم الشأن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يرسخ هذا النص سنة الله الماضية في نصرة أوليائه: «العوض الرباني للمضحين في سبيل الله»؛ فكل من ترك بلداً أو أهلاً أو مالاً أو وظيفة محرمة طلباً لمرضاة الله، جعل الله له من أمره يسراً وأعاضه خيراً مما ترك أضعافاً مضاعفة.
كما يعلمنا أن أعظم نعمة يرزقها العبد بعد الإيمان هي «الذرية الصالحة» المتمسكة بهدي النبوة؛ فالذرية الصالحة امتداد لعمل الإنسان وأنس له في دنياه وقرة عين في أخراه.