نزل النداء الإلهي بالبشارة الكبرى لزكريا عليه السلام وهو قائم يصلي في المحراب كما بينت سورة آل عمران؛ حيث نادته الملائكة متنزلة بأمر الله بالبشارة بغلام لم يختر زكريا اسمه، بل سماه الله جل جلاله من فوق سبع سماوات «يَحْيَى»، واختصه بفضيلة نادرة وهي أنه لم يُسمَّ أحد قبله بهذا الاسم، أو لم يجعل الله له مثيلاً وشبيهاً في نقائه ونبوته في ذلك الزمان.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 456)مصدر غير محدد١٥/٤٥٦ عن قتادة في قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} قال: «لم يسمَّ أحد قبله يحيى». وروى بسنده عن سعيد بن جبير وعطاء بن السائب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لم تلد عاقر قبله ولداً مثله».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 215)مصدر غير محدد٥/٢١٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد أن التسمية تولاها الله عز وجل بوحيه، وسمي «يحيى» لأنه حيي بالإيمان والنبوة والحكمة، أو لأن الله أحيا به عقم أمه وشيخوخة أبيه؛ وقد جمع الله له بين حسن الاسم، وعلو الصفة، وطهارة المنبت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«نُبَشِّرُكَ»: البشارة في أصل اللغة هي الإخبار بالخير السار الذي تظهر آثاره على بشرة الوجه بالفرح والاستبشار، ونسبتها إلى نون العظمة الإلهية {إِنَّا نُبَشِّرُكَ} تدل على جلال الفضل وعظمة الموهوب.
«يَحْيَىٰ»: اسم علم منقول من الفعل المضارع (يحيى)، ممنوع من الصرف للعلمية وشبه وزن الفعل؛ وهو مشتق من الحياة، وحياته روحية وبدنية بالهدى والتقوى.
«سَمِيًّا»: فَعِيل، ويطلق في لغة العرب على معنيين:
المسمى بالاسم نفسه؛ أي لم يتسمَّ أحد قبله بهذا الاسم.
النظير والمثل والشبيه؛ ومنه قوله تعالى في سورة مريم: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}؛ أي هل تعلم لله مثلاً وشبيهاً.
الإعراب:
«يَا زَكَرِيَّا»: يا حرف نداء، زكريا منادى مبني على الضم المقدر في محل نصب.
«إِنَّا»: إن حرف توكيد ونصب، ونا ضمير متصل في محل نصب اسمها.
«نُبَشِّرُكَ»: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
«بِغُلَامٍ»: جار ومجرور متعلق بـ (نبشرك).
«اسْمُهُ يَحْيَىٰ»: اسمه مبتدأ مرفوع والهاء مضاف إليه، ويحيى خبر مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جر نعت لـ (غلام).
«لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا»: لم حرف نفي وجزم وقلب، نجعل فعل مضارع مجزوم والفاعل مستتر تقديره نحن، له جار ومجرور، من قبل جار ومجرور مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظاً لا معنى، سمياً مفعول به منصوب، والجملة نعت ثانٍ لـ (غلام).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية كسرعة البرق استجابة للدعاء والتضرع الخفي الصادر في الآيات السابقة؛ فلم يكد زكريا يفرغ من بث ضعفه وخوفه وافتقاره حتى أتاه الغوث الإلهي بالبشارة القاطعة.
وبدء النداء باسمه {يَا زَكَرِيَّا} فيه تأنيس لقلبه وتبديد لوحشته وإشعاره بالقرب والكرامة الإلهية، وتسمية المولود من قبل الله تعالى تشريف لم ينله في ذلك العهد إلا صفوة قلائل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع إشكال تفضيل يحيى على غيره من الأنبياء المتقدمين:
قد يظن ظان أن قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} إذا حُمل على معنى الشبيه والمثيل يقتضي تفضيل يحيى على من سبقه من أولي العزم كإبراهيم ونوح وموسى عليهم السلام، ومعلوم أن أولي العزم أفضل الأنبياء بإجماع أهل السنة.
والمحاكمة التفسيرية تدفع هذا الإشكال من وجهين:
أن المعنى الأظهر والأقوى في السياق هو انتفاء التسمية بهذا الاسم قبله؛ أي لم يسم أحد في تاريخ البشرية «يحيى» قبله، وهذا اختصاص اسمي لا يلزم منه التفضيل المطلق في الدرجات.
وإن حُمل على انتفاء المثل والشبيه، فهو مقيد بأمر خاص في صفاته، ككونه وُلد بين عاقرين طاعنين في السن مع نقائه وعصمته التامة من الصبا، أو عدم مماثلته لأحد من أهل عصره وأقرانه، والفضيلة المقيدة لصفة معينة لا تستلزم الفضل المطلق الكلي على أولي العزم من الرسل.
الجناس المعنوي والاشتقاق الإعجازي في «يَحْيَىٰ»: اختيار الاسم بصيغة الفعل المضارع الدال على التجدد والاستمرار فيه إشارة بيانية بديعة إلى أن هذا الغلام موعود بحياة حقيقية أبدية؛ حياة القلب بالوحي، وحياة الذكر العاطر في الأولين والآخرين، وحياة الشهادة التي نالها حين قُتل صابراً محتسباً.
التنكير في «سَمِيًّا»: لإفادة النفي الاستغراقي المطلق؛ فلم يكن له من قبل شبيه في اسمه وطهارته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يملأ هذا المشهد قلب المؤمن ثقة بأن الله سبحانه يجيب دعاء المضطرين بما هو أوسع وأجل مما تمنوا؛ فزكريا سأل ربه مجرد «ولي» يرثه، فوهبه الله نبياً كريماً، وسماه له من عنده، وجعل له شأناً فريداً في الخافقين.
كما يرشد الوالدين إلى أهمية اختيار الأسماء الحسنة لأبنائهم؛ فإن الاسم يحمل فألاً وطاقة معنوية تصحب المرء طيلة حياته.