يصوّر الله تعالى مشهد أولئك الكافرين الظالمين يوم القيامة؛ حيث تتحول حواسهم من الصمم والعمى الذي كانوا عليه في الدنيا إلى غاية السمع وكمال البصر؛ فيسمعون كل هول، ويبصرون كل عذاب ووعيد بيقين لا يخالطه شك، حين يقفون بين يدي الله خاضعين أذلاء، ولكن هذا السمع وهذا البصر لن ينفعهم يومئذ بعد فوات الأوان؛ لأنهم في حياتهم الدنيا كانوا ظالمين في ضلال واضح مكشوف أعماهم عن رؤية الحق وسماع الوحي.
روى الطبري (ج 15، ص 519)مصدر غير محدد١٥/٥١٩ عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} قالوا: «هذه صيغة تعجب؛ أي ما أسمعهم يوم القيامة وما أبصرهم بالحق! ولكن ذلك السمع والبصر لا يغني عنهم شيئاً حين عاينوا العذاب، كما قال تعالى: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ}؛ ولو سمعوا وأبصروا في الدنيا لاهتدوا».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 233)مصدر غير محدد٥/٢٣٣ عن السدي قوله: {لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}: «أي في دار الدنيا هم صم عمي عن الحق، منغمسون في الضلالة والجهل المطبق؛ فإذا كان يوم القيامة فتحت أسماعهم وأبصارهم حسرة وندامة عليهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ»: صيغة تعجب قياسية على وزن (أَفْعِلْ بِهِ)، وأصلها أسمع بهم وبهم أبصر، والتعجب صادر من الله تعالى لإعلام المخاطبين بعظم سمعهم وبصرهم يومئذ؛ أو أمر للسامع أن يتعجب من ذلك.
«يَوْمَ يَأْتُونَنَا»: يوم القيامة للحساب والجزاء.
«الْيَوْمَ»: المراد به اليوم الحاضر في دار الدنيا، وهو مقابل لـ (يوم يأتوننا) في الآخرة.
«ضَلَالٍ مُّبِينٍ»: انحراف بين ظاهر لا يخفى قبحه وفساده على ذي عقل سليم.
الإعراب:
«أَسْمِعْ»: فعل ماض جاء على صورة الأمر لإنشاء التعجب مبني على السكون.
«بِهِمْ»: الباء حرف جر زائد في فاعل التعجب، وهم ضمير متصل مبني في محل جر لفظاً رفع محلاً فاعل أسمع.
«وَأَبْصِرْ»: الواو عاطفة، أبصر فعل ماض على صورة الأمر، وفاعله محذوف دل عليه ما قبله تقديره: وأبصر بهم.
«يَوْمَ»: ظرف زمان منصوب متعلق بـ (أسمع وأبصر)؛ أي تعجب من سمعهم وبصرهم في ذلك اليوم.
«يَأْتُونَنَا»: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ (يوم).
«لَٰكِنِ»: حرف استدراك مهمل لا عمل له، وحركت النون بالكسر لالتقاء الساكنين.
«الظَّالِمُونَ»: مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
«الْيَوْمَ»: ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ أو بالاستقرار في الجار والمجرور.
«فِي ضَلَالٍ»: جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ.
«مُّبِينٍ»: نعت لـ (ضلال) مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التقابل البياني بين موقفين وحالتين!
حالتهم في الآخرة: كمال السمع وشدة البصر وحضور الحواس {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا}.
حالتهم في الدنيا: صمم القلوب وعمى البصيرة والغرق في بحار الغفلة: {لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
وهذا الاستدراك بـ «لَٰكِنِ» يوضح موطن المأساة؛ فاليقين الذي أدركوه بعد الموت يقين متأخر لا ينفع صاحبه؛ لأن دار التكليف والإيمان بالغيب قد انقضت، وحلت دار الجزاء والعيان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة نفع الإيمان الاضطراري عند معاينة العذاب:
قد يتساءل البعض: إذا كان الكافرون يسمعون ويبصرون ويوقنون بحقيقة التوحيد والبعث يوم القيامة، فلماذا لا يُقبل إيمانهم وسمعهم وبصرهم؟
والمحاكمة العقلية والشرعية تقرر أن الإيمان النافع هو «الإيمان الاختياري بالغيب» في دار الابتلاء والعمل؛ أما «الإيمان الاضطراري بالشهود» عند معاينة العذاب وقيام الساعة فإنه يسقط قيمته التكليفية؛ كما قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ}؛ فالطالب لا ينفعه الإقرار بالجواب الصحيح بعد انتهاء وقت الامتحان وجمع الدفاتر!
صيغة التعجب في «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ»: تهويل فائق لدقة حواسهم؛ فكأن السامع يُدعى ليتعجب كيف انقلب أولئك الصم العمي إلى أسمع ما يكون وأبصر ما يكون؛ لإبراز هول الصدمة والمفاجأة.
التعبير بـ «الظَّالِمُونَ» في موضع الضمير: إظهار في مقام الإضمار (لم يقل: لكنهم اليوم)، للتنصيص على علة شقائهم وهو الظلم والشرك وتكذيب الرسل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يوقظ هذا النص قلوب الغافلين من سباتها؛ فالإنسان العاقل يفتح عينيه ويصغي بسمعه إلى الحق اليوم وهو في زمن المهلة والإمكان، قبل أن يأتي يوم يرى فيه الحقيقة عياناً ولكن لا يملك تبديلاً ولا فكاكاً.
كما يعلمنا أن عمى القلوب هو العمى الحقيقي؛ فكم من مبصر بحاسة العين وهو أعمى عن معرفة ربه وتوحيده.