ينهى الله تبارك وتعالى نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم عن استعجال العذاب والهلاك لهؤلاء المشركين المعاندين؛ فكل شيء يجري بتقدير إلهي محكم؛ إنما نحصي ونعد عليهم أنفاسهم، وأيامهم، وآثارهم، وأعمالهم عداً دقيقاً محصوراً لا يزيد ولا ينقص، حتى إذا جاء الأجل المكتوب أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ولم ينفعهم نصير.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 606)مصدر غير محدد١٥/٦٠٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ}: «أي لا تعجل يا محمد بسؤال العذاب والهلاك لهم؛ فإن أجلهم قريب ومصيرهم محتوم». وفي قوله: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}: «قال ابن عباس: نعد أنفاسهم في الدنيا، ونعد آثارهم وأيامهم وأعمالهم؛ فإذا انقضى آخر نَفَس كُتب لهم جاءهم العذاب».
وروى ابن أبي حاتم وابن كثير (ج 5، ص 255)مصدر غير محدد٥/٢٥٥ أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان ينشد وهو في محنته أو مرضه:
وَالْمَوْتُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَمُدُّ لَنَا كَفًّا ... وَنَحْنُ فِي كُلِّ يَوْمٍ نَعُدُّ لَهُ خَطْوَا
أَلاَ إِنَّمَا هِيَ أَنْفَاسٌ تُعَدُّ ... إِذَا نَفِدَتْ لَمْ يَبْقَ لِلْمَرْءِ مَرْجِعُ
مستحضراً دقة الإحصاء الإلهي الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«فَلَا تَعْجَلْ»: النهي عن العجلة، والعجلة طلب الشيء قبل أوانه وميقاته.
«إِنَّمَا»: أداة حصر وقصر لتقرير الحقيقة الإلهية.
«نَعُدُّ»: العدّ هو الإحصاء والحساب الدقيق المتناهي في التحديد.
«عَدًّا»: مفعول مطلق مؤكد يفيد كمال الإحاطة والإحصاء التام.
الإعراب:
«فَلَا»: الفاء فصيحة، لا ناهية جازمة.
«تَعْجَلْ»: فعل مضارع مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
«عَلَيْهِمْ»: جار ومجرور متعلق بـ (تعجل).
«إِنَّمَا»: كافة ومكفوفة.
«نَعُدُّ»: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
«لَهُمْ»: جار ومجرور متعلق بـ (نعد).
«عَدًّا»: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا النظم الإلهي في بث السكينة وتثبيت القلوب! فبعد أن صور اشتعال الكفار بأزّ الشياطين وتماديهم في الباطل، جاء هذا التوجيه اللطيف للنبي صلى الله عليه وسلم: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ}.
فبين له أن هذا التأخير ليس إهمالاً ولا عجزاً، بل هو تدبير محكم يقوم على «العدّ الرقمي الحاسم» للأنفاس واللحظات؛ فكل نَفَس يخرج يقربهم من الهاوية خطوة، فكان في هذا البيان أعظم تسلية وأبلغ تهديد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق الحكمة في إمهال الظالمين:
يتساءل كثير من الناس في أوقات استعلاء الباطل: لماذا لا يعجل الله بهلاك الظالمين والمستبدين؟
والقرآن يجيب بالمنطق الرباني المحيط: إن لله في خلقه سنناً لا تتبدل، ومواقيت محددة لا تتقدم ولا تتأخر؛ فالعجلة من شأن العاجز الذي يخاف فوات الفرصة، أما القادر القاهر المحيط بكل ذرة فلا يفوته أحد، وإنما يعد عليهم الأنفاس عداً لتقوم عليهم الحجة البالغة ويستوفوا آجالهم المكتوبة، ثم ينزل بهم البأس الصارم بغتة.
البلاغة في التعبير بالحصر في «إِنَّمَا نَعُدُّ»: قصر الأمر على حقيقة الحساب والإحصاء؛ فالقضية محسومة منتهية، والأيام معدودة كأوراق شجرة تتساقط ورقة ورقة حتى تسقط الأخيرة.
التوكيد بالمصدر «عَدًّا»: إشعار بدقة الإحصاء التام الذي لا يفرط في نَفَس واحد ولا لحظة واحدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص الصبر واليقين في قلب الداعية والمصلح؛ فلا يضيق صدره ببطء النصر ولا يستعجل هلاك الظالمين، بل يعلم أن الله يجري الأمور بحكمته التامة.
كما يهز هذا النص قلب الغافل والمؤمن معاً: «أنفاسك معدودة»؛ فكل يوم يمر من عمرك ينقص من أجلك المكتوب، فالسعيد من استغل كل نَفَس في طاعة الله وذكره قبل انقضاء المعدود.