يقابل الخليل إبراهيم عليه السلام هذه الفظاظة والتهديد بالرجم بالصفح الجميل والسلام النبيل؛ فقال لأبيه: أمان لك مني فلا تسمع مني ما يسوؤك، ولا أقابلك بما يقابلك به الجاهلون، وسأسأل ربي أن يغفر لك ويهديك للإيمان، إن ربي كان بي لطيفاً كريماً عوّدني الإجابة والإحسان.
روى الطبري (ج 15، ص 535)مصدر غير محدد١٥/٥٣٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ}: «أي سلام توديع ومفارقة بالمعروف، لا ينالك مني أذى ولا مكروه». وفي قوله: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}: «الحفي: اللطيف بي، الذي يجيب دعوتي إذا دعوته؛ يقال: تحفّى فلان بفلان إذا أظهر له اللطف والبشر والإكرام وسارع في قضاء حوائجه».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 237)مصدر غير محدد٥/٢٣٧ أن استغفار إبراهيم لأبيه كان عملاً بوعده هذا، فلما تبين له أنه عدو لله ومات على الشرك تبرأ منه كما نص القرآن في سورة التوبة: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«سَلَامٌ عَلَيْكَ»: السلام هنا سلام أمان ومفارقة ومتاركة؛ أي سلمتَ مني فلن أؤذيك بمثل ما هددتني به، كقوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.
«سَأَسْتَغْفِرُ»: السين للتنفيس والوعد المستقبلي، والاستغفار طلب المغفرة والصفح والستر، وتضمن هنا طلب الهداية للإسلام؛ لأن الكافر لا يُغفر له إلا بالإسلام.
«حَفِيًّا»: فَعِيل من الحَفاوة وهي كمال العناية واللطف والإكرام والمبالغة في البر وقضاء الحاجة؛ يقال: تحفّى به إذا بالغ في إكرامه وإلطافه.
الإعراب:
«قَالَ»: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو.
«سَلَامٌ»: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، ساغ الابتداء به لدلالته على التحية والأمان والدعاء.
«عَلَيْكَ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ في محل رفع، والجملة مقول القول.
«رَبِّي»: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
«إِنَّهُ»: إن واسمها في محل نصب.
«كَانَ»: فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو.
«بِي»: جار ومجرور متعلق بـ (حفياً).
«حَفِيًّا»: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل ذروة الحلم النبوي وكمال الخلق الرباني؛ فلم يقابل الشتيمة بالشتيمة ولا التهديد بالعنف، بل قابل الرجم بـ «السلام»، وقابل الطرد بـ «الاستغفار والدعاء بالهداية واللطف».
وقوله: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} تعليل لرجاء الإجابة؛ مستحضراً سوابق لطف ربه به، وهو عين ما توسل به زكريا في مطلع السورة: {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}؛ لتلتقي أرواح الأنبياء في محراب الثقة برحمة الله وحفاوته بأوليائه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حكم الاستغفار للمشركين وبيان موضع استغفار إبراهيم:
استشكل بعض الناس: كيف يستغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، والله تعالى يقول في سورة التوبة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}؟
والمحاكمة الشرعية التي حررها القرآن تفصل المسألة بجلاء:
أن استغفار إبراهيم لأبيه كان في حال حياة أبيه، وكان رجاء أن يهديه الله للإسلام فيغفر له؛ لأن استغفار الحي للكافر الحي معناه طلب هدايته التي بها ينال المغفرة، وهذا جائز.
وكان ذلك أيضاً وفاءً بوعد عقده إبراهيم معه قبل أن ينهى الله عن الاستغفار للمشركين: {إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ}.
فلما مات أبوه على الشرك وتبين لإبراهيم عداوته المستحكمة لله ومصيره إلى النار، انقطع الاستغفار وتبرأ منه إبراهيم؛ فثبت الحكم المحكم بتحريم الاستغفار لمن مات على الكفر بالإجماع القطعي.