يكشف الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن السر الدفين وراء استمرار الكفار في طغيانهم وجرأتهم؛ فبين سبحانه أنه سلط الشياطين على الكافرين تسليطاً كونياً قدرياً جزاء كفرهم؛ فهم يوسوسون لهم بالشرور، ويغرونهم بالمعاصي، ويدفعونهم إلى محاربة الحق دفعاً وإزعاجاً شديداً لا يستقرون معه.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 604)مصدر غير محدد١٥/٦٠٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا}: «أي تزعجهم إزعاجاً، وتهيجهم إلى معاصي الله تهييجاً، وتدفعهم في الشرك دفعاً؛ يقال: أزّ الشيء يؤزه أزّاً إذا حركه ورجه بشدة كما يَئِزّ المرجل (القِدر) على النار إذا غلى واضطرب ما فيه».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 255)مصدر غير محدد٥/٢٥٥ عن قتادة قال: «تؤزهم في معاصي الله حتى توقعهم في نار جهنم؛ كلما فتر الكافر عن باطله حركته الشياطين ونفخت في كبريائه وأججت عداوته للدين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَلَمْ تَرَ»: الهمزة للاستفهام التقريري والتعجيبي؛ والرؤية قلبية علمية تتعدى لمفعولين سد مسدهما المصدر المؤول.
«أَرْسَلْنَا»: الإرسال هنا إرسال قدري تكويني بالتخلية والتسليط، وليس إرسال تشريع ورضا.
«تَؤُزُّهُمْ»: الأزّ في أصل اللغة هو الحركة الشديدة والتحريض والتهييج والدفع العنيف بصوت واضطراب؛ ومنه أزيز المرجل إذا غلى، وأزيز الرصاص والريح.
«أَزًّا»: مفعول مطلق مؤكد للفعل يفيد الشدة وتكرار التحريض.
الإعراب:
«أَلَمْ»: الهمزة للاستفهام، لم حرف جزم ونفي وقلب.
«تَرَ»: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
«أَنَّا»: أن حرف توكيد ونصب، ونا اسمها في محل نصب.
«الشَّيَاطِينَ»: مفعول به لـ (أرسلنا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
«عَلَى الْكَافِرِينَ»: جار ومجرور متعلق بـ (أرسلنا).
«تَؤُزُّهُمْ»: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هي (الشياطين)، وهم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الشياطين؛ أو نعت.
«أَزًّا»: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يمثل تسلية وتطميناً لقلب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ فكأنه يقول لهم: لا تعجبوا من ضلال هؤلاء الكفار، ولا يحزنكم إصرارهم واندفاعهم الأهوج في حرب الدعوة؛ فإنهم ليسوا أصحاب قرار رشيد، بل هم دمى تحركها الشياطين وتزعجهم بالوساوس، عقوبة لهم على إعراضهم عن نور الرحمن.
والربط بين «العتو» في الآيات السابقة و«الأزّ» هنا يكشف عن التحالف الشيطاني في تأجيج الكفر وتدمير أصحابه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق الفرق بين «الإرسال الكوني القدري» و«الإرسال الشرعي»:
قد يثير ملحد أو قدري شبهة: كيف يقول الله: {أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} والله ينهى عن الشرك ويحرم اتباع الشيطان؟!
والمحاكمة العقدية السلفية تبين أن الإرسال في القرآن على نوعين:
إرسال شرعي ديني: وهو إرسال الرسل والملائكة بالهدى والأوامر والنواهي، وهذا يحبه الله ويرضاه.
إرسال كوني قدري: وهو تسليط الشياطين والأقدار على الكافرين جزاءً وفاقاً لكفرهم وإعراضهم عن الوحي؛ فمن أبى أن يتبع رسول الرحمن سلط الله عليه شيطان الغي يقوده إلى الهلاك، كما قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}؛ فالإرسال هنا عقوبة وقصاص عادل لا ظلم فيه.
البلاغة الصوتية والحسية في لفظ «تَؤُزُّهُمْ أَزًّا»:
كلمة «أَزّ» بحرفي الهمزة والزاي المشددة صوت جهوري يحاكي غليان القدر الشديد والرجف العنيف؛ مما يرسم صورة مروعة لنفوس الكافرين وهي تغلي بالحقد والوساوس الشيطانية كالمراجل الملتهبة.
التنكير في «أَزًّا»: للمبالغة في قوة الإزعاج والتحريض الذي لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يمنح هذا النص الداعية بصيرة نفسية عميقة في فهم سلوك المعاندين والمحاربين للدين؛ فالكافر المحارب مسلوب الإرادة الحرة الحكيمة، تدفعه الشياطين وتزعجه أزّاً ليزداد عذاباً وهلاكاً؛ فلا ينبغي للمسلم أن يستفزه غيهم، بل يثبت ويسأل الله العصمة.
كما يحذر المؤمن من فتح منافذ القلب لوساوس الشياطين؛ فالاستعاذة بالرحمن والاعتصام بالذكر هو الحصن الذي يطرد وساوس الأزّ الشيطاني.