يذكر الله تعالى أعظم كرامة وخصوصية اختص بها كليمه موسى عليه السلام؛ حيث ناداه ربه جل وعلا بكلامه الإلهي الحقيقي من جهة جبل الطور بسيناء، من الناحية اليمنى لموسى وهو متوجه إلى الجبل، وقربه الله إليه تشريفاً وتكريماً ليناجيه ويفيض عليه من أنوار وحيه.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 542)مصدر غير محدد١٥/٥٤٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ}: «أي من ناحية الجبل اليمنى من جهة موسى؛ والطور هو الجبل المشجر بسيناء المباركة». وفي قوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا}: «أي أدناه الله منه مناجياً؛ والنجي هو المنفرد بالمناجاة مع الله تعالى، كلمه ربه تكليماً بلا واسطة ملك».
وروى ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أُدني موسى حتى سمع صريف الأقلام في الألواح وهو يناجي ربه»، وكان ذلك أعظم شرف يناله بشر في تلك الأرض المباركة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«نَادَيْنَاهُ»: النداء كلام بصوت مسموع، وكان كلام الله لموسى كلاماً حقيقياً سمعه موسى بأذنيه.
«الطُّورِ»: الجبل العظيم، وخص بالطور جبل سيناء.
«الْأَيْمَنِ»: نعت للجانب أو للطور؛ والأيمن ضد الأيسر، وهو جهة اليمين لموسى، أو مشتق من اليُمن وهو البركة؛ أي الجانب المبارك الميمون.
«نَجِيًّا»: فَعِيل بمعنى فاعل أو مفعول، من المناجاة وهي مسارة الحديث في خفاء وسكون وقرب.
الإعراب:
«وَنَادَيْنَاهُ»: الواو عاطفة، نادينا فعل وفاعل ونا ضمير متصل فاعل، والهاء مفعول به في محل نصب.
«مِن جَانِبِ»: جار ومجرور متعلق بـ (ناديناه).
«الطُّورِ»: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
«الْأَيْمَنِ»: نعت لـ (جانب) مجرور بالكسرة؛ أو نعت لـ (الطور) مجرور بالكسرة.
«وَقَرَّبْنَاهُ»: الواو عاطفة، قربنا فعل وفاعل والهاء مفعول به.
«نَجِيًّا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من الهاء في (قربناه)؛ أي في حال كونه مناجياً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يبرز أخص خصائص موسى عليه السلام؛ فإذا كان عيسى كلمة الله وروحه، فإن موسى كليم الله الذي كلمه تكليماً وقربه نجياً؛ لبيان تنوع الفضائل والكرامات بين أصفياء الرسل.
والجمع بين «النداء» و«النجوى»: {نَادَيْنَاهُ... وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا}؛ فالنداء يكون من بعد لإيقاظ الهمة والإسماع، والنجوى تكون من قرب بعد الدنو لسكينة الأنس ومناجاة الروح؛ فانتقل موسى من هيبة النداء إلى حنان القرب والمناجاة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات صفة الكلام لله تعالى على مذهب السلف ودحض تأويلات المعطلة:
حرفت الجهمية والمعتزلة صفة الكلام، فزعموا أن الله لا يتكلم، وأن الكلام صوت مخلوق خلقه الله في الشجرة، وأن موسى سمع كلام الشجرة لا كلام الله!
والمحاكمة العقدية السلفية تسحق هذا التأويل الباطل:
أن الله قال بصريح اللفظ: {وَنَادَيْنَاهُ}، والنداء لا يكون إلا من المتكلم بذاته، فكيف ينسب النداء إلى الله إن كان الفاعل شجرة؟! وهل يعقل لشجرة أن تقول لموسى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي}؟! فلو قالت الشجرة ذلك لكانت مدعية للألوهية وحاشا وكلا!
صريح قوله تعالى في سورة النساء: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا} بتأكيد المصدر القاطع لكل مجاز؛ فمذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم متى شاء وكيف شاء بكلام حقيقي يسمعه من يشاء، سمعه موسى وسمعه جبريل وسمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
البلاغة في التعبير بـ «نَجِيًّا»: للدلالة على الصفاء والمناجاة الخالصة التي رفعت موسى فوق المألوف البشري.
وصف الجانب بـ «الْأَيْمَنِ»: تفاؤل باليُمن والبركة والشرف؛ فاليمين دائماً موضع الإكرام والخير في الشرائع الفطرية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص شوقاً عظيماً في نفس المؤمن لمناجاة ربه؛ فالمصلي في صلاته يناجي ربه كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ».
والتقرب إلى الله بطاعته وذكره يفتح أبواب القرب والسكينة التي يذوق بها العبد حلاوة الإيمان التي لا تدانيها لذائذ الدنيا الفانية.