يقسم الله تبارك وتعالى بنفسه العلية الكريمة مقسماً لنبيه صلى الله عليه وسلم بقسم قاطع محتوم: فوربك يا محمد لنجمعن هؤلاء المنكرين للبعث جميعاً ونحشرنهم مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم وزينوا لهم الكفر، ثم لنسوقنهم ونحضرنهم جميعاً حول نار جهنم باركين على ركبهم من شدة الهلع والذل والخزي وعظم هول الموقف.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 575)مصدر غير محدد١٥/٥٧٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ}: «أي لنجمعن الكفار مع شياطينهم الذين كانوا يضلونهم في الدنيا في سلسلة واحدة أو قرناء في المحشر». وفي قوله: {حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا}: «الجِثِيّ: جمع جاثٍ؛ أي باركين على ركبهم، كما يجثو الخصم بين يدي الحاكم ذلاً وخوفاً؛ وقيل: جماعات وزمراً».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 248)مصدر غير محدد٥/٢٤٨ أن هذا القسم الإلهي المؤكد بالنقص والوعيد يبين ذل الكافرين يوم القيامة؛ حيث يحيطون بجهنم جاثين على الركب من شدة الأهوال، يرون النار بأعينهم وتلفح وجوههم وهم عاجزون عن الوقوف أو الفرار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«فَوَرَبِّكَ»: الفاء استئنافية، والواو واو القسم، وربك مقسم به مع كاف الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً.
«وَالشَّيَاطِينَ»: الواو للمعية؛ أي مع شياطينهم وقرنائهم، أو عاطفة.
«جِثِيًّا»: جمع جاثٍ، وهو البارك على ركبتيه لشدة الرعب والذل؛ يقال: جثا يجثو جثواً وجِثِيّاً إذا جلس على ركبتيه وأطراف أصابعه؛ وأصله «جُثُوي» قلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت الجيم والتاء.
الإعراب والقراءات:
«فَوَرَبِّكَ»: الفاء استئنافية، الواو للقسم حرف جر، ربك مجرور بالكسرة متعلق بمحذوف فعل أقسم، والكاف مضاف إليه.
«لَنَحْشُرَنَّهُمْ»: اللام واقعة في جواب القسم، نحشرن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
«وَالشَّيَاطِينَ»: الواو واو المعية، الشياطين مفعول معه منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أو واو العطف معطوف على الهاء.
«ثُمَّ»: حرف عطف يفيد التراخي في الرتبة وتفاقم الهول.
«لَنُحْضِرَنَّهُمْ»: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، نحضرن فعل مضارع مبني على الفتح للتوكيد، والفاعل مستتر والهاء مفعول به.
«حَوْلَ جَهَنَّمَ»: حول ظرف مكان منصوب متعلق بـ (نحضرنهم)، جهنم مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث.
«جِثِيًّا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من مفعول نحضرنهم؛ وقرأ حمزة والكسائي وحفص: {جِثِيًّا} بكسر الجيم لمناسبة الياء؛ وقرأ الباقون: {جُثِيًّا} بضم الجيم على الأصل في وزن فُعُول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أرهب هذا النظم القرآني المهيب! يبدأ بقسم إلهي مغلظ بالرب المضاف إلى نبيه {فَوَرَبِّكَ} ليقطع دابر أي ارتياب في وقوع البعث؛ فمن أنكر الخروج من القبر هاهو يرى نفسه محشوراً مقهوراً مع الشياطين التي وسوست له.
واختيار هيئة «الجُثِيّ» على الركب يجسد غاية الذل والسقوط النفسي والبدني؛ فالطغاة الذين كانوا يتبخترون في الدنيا استكباراً واستعلاءً تراهم يوم القيامة ساقطين على ركبهم حول قعر الجحيم لا يستطيعون حراكاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق اقتران الكفار بالشياطين في المحشر:
يقرر القرآن الجزاء العادل من جنس العمل: فالكافر الذي والى الشيطان في الدنيا وعبده وأطاعه في الشرك {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}، يحشره الله مقترناً بقرينه الشيطاني في الأصفاد يوم القيامة، كما قال تعالى في سورة الزخرف: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ... حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ}.
البلاغة في التعبير بـ «حَوْلَ جَهَنَّمَ»: إحضارهم إلى شفير النار وحافتها قبل إلقائهم فيها تعذيب نفسي فظيع؛ ليروا لهيبها ويسمعوا تغيظها وزفيرها وهم جاثون عاجزون عن الفرار.