هذا الخطاب صادر من أمين الوحي جبريل عليه السلام نيابة عن الملائكة الكرام، حين أبطأ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة فاشتاق النبي إلى لقائه وسأله أن يزوره أكثر، فنزل جبريل بأمر الله مبيناً أنه وسائر الملائكة عبيد مأمورون مقهورون لا يملكون النزول من تلقاء أنفسهم إلا بأمر الله وإذنه ومشيئته؛ فالله وحده له ملك ما يستقبلنا من أمر الآخرة، وما مضى خلفنا من أمر الدنيا، وما بينهما في البرزخ والزمان الحاضر، وما كان ربك ناسياً لك ولا تاركاً لرسالته وحفظك.
روى البخاري في صحيحه (رقم 3218 ورقم 4731) والترمذي (رقم 3157)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٥٧ والإمام أحمد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ فَنَزَلَتْ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}».
وروى الطبري (ج 15، ص 568)مصدر غير محدد١٥/٥٦٨ عن مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة أن الوحي احتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم أياماً حين سأله المشركون عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فلما نزل جبريل عاتبه النبي صلى الله عليه وسلم عتاب المحب المشتاق، فنزلت هذه الآية بياناً لكمال عبودية الملائكة وتمام علم الله وإحاطته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«نَتَنَزَّلُ»: صيغة التَفَعُّل تفيد النزول وقتاً بعد وقت على مهل وترتيب لحكمة إلهية.
«مَا بَيْنَ أَيْدِينَا»: ما نستقبله من أمور الآخرة والزمان المستقبل؛ وقيل: ما أمامنا من الأمكنة والأكوان.
«وَمَا خَلْفَنَا»: ما مضى وانقضى من أمر الدنيا والزمان الماضي؛ وقيل: ما وراءنا.
«وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ»: الزمان الحاضر وما بين الدنيا والآخرة؛ واستيعاب الأزمنة والأمكنة الثلاثة يفيد الإحاطة المطلقة لله بكل شيء.
«نَسِيًّا»: فَعِيل للمبالغة في نفي النسيان؛ والنسيان ذهول القلب عما كان معلوماً، وهو مستحيل وممتنع في حق الله تعالى ممتنعاً ذاتياً.
الإعراب:
«وَمَا نَتَنَزَّلُ»: الواو استئنافية حاكية لكلام جبريل، ما نافية، نتنزل فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره نحن.
«إِلَّا»: أداة حصر.
«بِأَمْرِ»: جار ومجرور متعلق بـ (نتنزل).
«رَبِّكَ»: مضاف إليه مجرور، والكاف مضاف إليه مخصص للنبي صلى الله عليه وسلم.
«لَهُ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
«مَا»: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
«بَيْنَ أَيْدِينَا»: بين ظرف مكان متعلق بصلة الموصول المحذوفة، وأيدينا مضاف إليه، ونا مضاف إليه.
«وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ»: معطوفات بالواو على اسم الموصول.
«وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا»: الواو استئنافية أو حالية، ما نافية، كان فعل ماض ناقص، ربك اسمها مرفوع والكاف مضاف إليه، نسياً خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاعتراض الكلامي الحكيم في سياق سورة مريم يأتي في غاية التناسب؛ فالسورة كلها قصص متنزلة بالوحي الإعجازي، وقد أبطأ نزولها أياماً حتى أرجف المشركون، فلما نزل جبريل بهذه الآيات العظيمة وبشر أهل الجنة بـ {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا}، أعقبها فوراً ببيان علة الاحتباس: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ}.
وتذييل الآية بـ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} يسكب الطمأنينة الكاملة في قلب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ أي: إن أبطأ الوحي لحكمة فما نسي ربي نبيه ولا أهمله، بل هو يرعاه ويحفظه في كل لحظة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض أوهام المشركين في انقطاع الوحي وتنزيه الله عن النسيان:
فرح مشركو مكة باحتباس الوحي وظنوا أن محمداً قد قُلي ونُسي وتُرك، كما قالوا في سورة الضحى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}.
والمحاكمة القرآنية الصارمة تقرر:
أن الملائكة ليست آلهة مستقلة ولا تتصرف بإرادتها الشخصية، بل هي جند مأمورون لله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وأن تأخر نزول الوحي ليس عن نسيان ولا عجز، فالنسيان مستحيل على علام الغيوب الذي قال فيه موسى: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ}؛ وإنما يجري كل شيء في الكون بتقدير محكم وميقات معلوم لحكمة يعلمها الله.
أسلوب الحصر والقصر في {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ}: قصر النزول على أمر الله خاصة، إعلاناً للعبودية والافتقار التام من أشرف الملائكة لله الواحد القهار.
صيغة المبالغة «نَسِيًّا» في سياق النفي: تفيد النفي القطعي لأدنى شائبة من شوائب الغفلة أو الذهول أو النسيان؛ فالله قيوم محيط بكل ذرة في الكون في الماضي والحاضر والمستقبل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا النص ثقة مطلقة في تدبير الله وأقداره؛ فإذا تأخر عنك الفرج أو أبطأت عنك الإجابة، فاعلم أن ربك لم ينسك: «وما كان ربك نسياً»، بل يدبر أمرك بلطف وحكمة بالغة في الوقت الأنسب.
كما يعلمنا أدب الانقياد لأمر الله؛ فالملائكة الأبرار لا يتحركون إلا بأمر ربهم، فينبغي للمؤمن أن يكون حريصاً على ألا يتحرك ولا يسكن إلا وفق شرع الله وأمره.