يمتن الله تعالى على موسى بإجابة دعائه حين سأل ربه أن يشد أزره بأخيه هارون ويشركه في أمره؛ فوهب الله له من رحمته وفضله الواسع نبوة أخيه هارون بن عمران؛ ليكون له عوناً ووزيراً وناصحاً في مواجهة طاغية زمانه فرعون.
روى الطبري (ج 15، ص 544)مصدر غير محدد١٥/٥٤٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا}: «كان هارون أكبر من موسى بثلاث أو أربع سنين، فسأل موسى ربه أن يجعله نبياً يؤازره ويبين عنه، فأجاب الله دعوته فجعله نبياً برحمته».
وروى ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في سفر لها لرجل يسأل: أيّ أخٍ كان أعظم منّاً على أخيه في الدنيا؟ فسكتوا، فقالت: «موسى بن عمران حين سأل ربه أن يهب له أخاه هارون نبياً؛ فما أعظم منّة أخٍ على أخيه من أن شفع له في النبوة فاستجاب الله له فجعله نبياً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«وَوَهَبْنَا»: الهبة عطاء رباني خالص بلا ثمن.
«مِّن رَّحْمَتِنَا»: من خزائن فضلنا ورحمتنا التي تسع كل مطلوب.
«أَخَاهُ»: الأخ الشقيق أو لأب؛ وكان شقيقه الأكبر.
«هَارُونَ»: اسم علم أعجمي بدل أو عطف بيان.
«نَبِيًّا»: حال منصوبة أو مفعول ثانٍ لـ (وهبنا).
الإعراب:
«وَوَهَبْنَا»: الواو عاطفة، وهبنا فعل وفاعل.
«لَهُ»: جار ومجرور متعلق بـ (وهبنا).
«مِن رَّحْمَتِنَا»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من هارون أو بـ (وهبنا)، ونا مضاف إليه.
«أَخَاهُ»: مفعول به أول منصوب بالألف لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
«هَارُونَ»: بدل من (أخاه) أو عطف بيان منصوب بالفتحة غير منون للعلمية والعجمة.
«نَبِيًّا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة، أو مفعول به ثانٍ إذا ضُمن وهب معنى صيّر وجعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يبرز شرف الأخوة الصالحة؛ فموسى عليه السلام لما كلف بالرسالة لم يستأثر بالفضل لنفسه، بل تذكر أخاه وسأل الله له أعلى مراتب الشرف وهي «النبوة»: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي}، فكانت استجابة الله له متنزلة من فيض «الرحمة» الإلهية.
والربط بين «الرحمة» ونبوة هارون يؤكد السمة الغالبة على سورة مريم؛ حيث تتجلى رحمات الرحمن في كل قصة من قصص السورة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تفضيل هارون على موسى أو استغناء موسى عنه:
هارون عليه السلام كان عوناً ووزيراً لموسى، وموسى كان هو الأصل وصاحب الرسالة الكبرى والكلام المباشر، وشفاعة موسى لأخيه تدل على علو مقام موسى عند ربه وقبول شفاعته في أعظم المنازل.
والمحاكمة العقلية تبين حكمة التكامل بين الدعاة؛ فموسى كان فيه شدة وبأس وحبسة في اللسان، وهارون كان فصيحاً ليناً حليماً؛ فاجتمعت القوة والفصاحة في مواجهة فرعون؛ وهذا من تمام الحكمة الربانية في إرسال الرسل.
إضافة الرحمة إلى ضمير العظمة {مِّن رَّحْمَتِنَا}: تشريف لمقام الأخوة الصالحة؛ فالعون الصالح والأخ المخلص هبة ورحمة متنزلة من السماء.
تقديم الجار والمجرور {مِّن رَّحْمَتِنَا} على المفعول: للاهتمام ببيان مصدر الفضل وإبراز منة الله تعالى قبل ذكر الموهوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يضع هذا النص القرآني نموذجاً فريداً للأخوة الإيمانية: «أعظم الإحسان للأخ شفاعتك له في الدين والتقوى»؛ فالمؤمن الصادق يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويسعى في رفع منزلته في طاعة الله.
كما يعلم الدعاة أهمية العمل الجماعي والمؤازرة الصادقة وتوزيع الأدوار بحسب القدرات والمواهب لنصرة الحق ودحر الباطل.