يحكي القرآن الكريم شبهة منكري البعث من كفار قريش والجاحدين للنشأة الآخرة؛ حيث يقول الكافر المنكر استبعاداً وسخرية وتكذيباً: أإذا متُّ وبليت عظامي وصرت تراباً ورفاتاً، أأُبعث بعد ذلك وأُخرج من قبري حياً كهيئتي الأولى؟!
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 572)مصدر غير محدد١٥/٥٧٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {وَيَقُولُ الْإِنسَانُ}: «المراد به الجنس الكافر المنكر للبعث، ونزلت في أبيّ بن خلف أو العاص بن وائل السهمي أو الوليد بن المغيرة حين أخذ أحدهم عظماً رميماً ففته بيده ونفخه في الريح وقال: أيبعث الله هذا بعدما رمّ؟! فأنزل الله الآية».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 247)مصدر غير محدد٥/٢٤٧ أن الله تعالى حكى قول منكري المعاد على سبيل التعجيب والإنكار عليهم؛ فإن الكافر يقيس قدرة الخالق العظيم على قدرة المخلوق العاجز، فيستبعد الإعادة بعد الفناء؛ جهلاً بعظمة الله المحيط بكل شيء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«الْإِنسَانُ»: أل هنا لتعريف الجنس، والمراد به الإنسان الكافر المنكر للبعث بقرينة السياق.
«أَإِذَا»: همزة الاستفهام للإنكار والاستبعاد والتهكم؛ وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه المحذوف.
«مَا»: زائدة للتوكيد والربط بين الظرف وفعل الشرط.
«أُخْرَجُ»: من الإخراج من القبر بالموت إلى فضاء المحشر، وبني الفعل للمجهول للدلالة على القهر والإلجاء.
«حَيًّا»: حال منصوبة؛ أي متصفاً بالحياة وعودة الروح والجسد.
الإعراب والقراءات:
«وَيَقُولُ الْإِنسَانُ»: الواو استئنافية، يقول فعل مضارع مرفوع، الإنسان فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
«أَإِذَا»: الهمزة للاستفهام الإنكاري، وإذا ظرف زمان متعلق بمحذوف تقديره: أأخرج إذا مت، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي بتسهيل الهمزة الثانية بين بين؛ وقرأ قالون وأبو عمرو بإدخال ألف بينهما.
«مَا مِتُّ»: ما زائدة، مت فعل ماض والتاء فاعل والجملة مضاف إليه لـ (إذا)، وقرئ بكسر الميم وضمها.
«لَسَوْفَ»: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، سوف حرف استقبال للتأكيد.
«حَيًّا»: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من نائب الفاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الانتقال في سياق السورة من تقرير التوحيد وتنزيه الله ووصف الجنة إلى إثارة شبهة البعث؛ لأن الإيمان بالمعاد واليوم الآخر هو الركن الملازم لتوحيد الله وعبادته؛ فلما أمر بـ {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}، واجه الشبهة التي تقطع دابر العمل عند المشركين وهي إنكار الجزاء بعد الموت.
واستعمال صيغة المضارع {وَيَقُولُ} للدلالة على تكرار هذه الشبهة وتجددها في كل عصر؛ فكلما خلا قرن خلف بعده منكرون يرددون نفس المقالة السقيمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة المنطق الاستبعادي الحسي:
يقوم إنكار البعث عند الماديين على مجرد «الاستبعاد الحسي»؛ لكونهم لم يروا ميتاً عاد إلى الحياة في مجرى المشاهدة اليومية.
والمحاكمة العقلية تبين أن عدم المشاهدة لا يدل على الاستحالة العقلية؛ فالإنسان حين يولد لم يكن يشاهد وجوده قبل خلقه، وتفرق الأجزاء في الأرض لا يمنع من جمعها إذا كان الجامع عليماً بكل ذرة وقادراً على كل شيء: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}؛ فبطل الاستبعاد وثبت الإمكان العقلي الحتمي.
أسلوب الحكاية الساخرة: حكاية قول الكافر بأدوات التوكيد والظرف {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا}؛ لإبراز مدى تهكمه واستبعاده وتجرئه على قدرة الله.
التنكير في «حَيًّا»: إشارة إلى هيئة الحياة المعهودة المتكاملة التي يستبعد الكافر عودتها بعد تفتت العظام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المؤمن على اليقين الراسخ بالبعث والنشور؛ فالقبر ليس نهاية المطاف، بل هو بوابة العبور إلى المحشر والخلود.
كما يعلم الداعية أهمية التركيز على قضية البعث والجزاء في خطاب غير المسلمين والملاحدة؛ فإن الإيمان بالآخرة هو الضمان الوحيد لاستقامة السلوك البشري ومراقبة الله.