امتثلت مريم عليها السلام لأمر ربها ونذرها الرشيد؛ فلم تنطق بكلمة واحدة، ولم تدخل في جدال عقيم مع الجموع الهائجة، بل اكتفت بإشارة صامتة بيدها نحو رضيعها عيسى عليه السلام، محيلة إياهم إليه ليفهموا منه حقيقة النبأ؛ فاستشاط القوم غضباً وظنوا أنها تسخر من عقولهم وتستهزئ بهم، وصاحوا: كيف تأمريننا بمخاطبة طفل رضيع ما زال في مهده مضجعاً صبياً لا يعقل ولا ينطق؟!
روى الطبري (ج 15، ص 503)مصدر غير محدد١٥/٥٠٣ عن السدي قال: «فلما أشارت إليه غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زناها! قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبياً». وروى عن مجاهد وقتادة وابن زيد في قوله: {مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}: «المهد: هو مضجع الصبي في مهاد الرضاع، وكان ابن ساعات أو أيام قليلة».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 229)مصدر غير محدد٥/٢٢٩ أن مريم عليها السلام باشرت الإشارة بيقين راسخ أن الله تعالى سينطق هذا الرضيع تبرئة لها ودلالة على نبوته، فلما رأى القوم إشارتها نحو الرضيع استنكروا ذلك استنكاراً شديداً وقالوا: كيف يخاطب العاقل طفلاً في المهد لم يفطم بعد؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«فَأَشَارَتْ»: الإشارة هي الإيماء باليد أو الرأس أو العين لإفهام المراد دون نطق صوتي.
«الْمَهْدِ»: المهد والمهاد هو الفراش والموضع المهيأ اللين الذي يُنوَّم فيه الصبي الرضيع في طفولته المبكرة؛ من مهد يمهد مهداً إذا بسط ووطأ وسوى.
«كَانَ»: فعل ماض ناقص، وجاءت هنا بمعنى الحدوث أو الثبوت أو الاتصاف في الحال الحاضر؛ وقيل: تامة؛ أو زائدة للتأكيد؛ وأحسن الأوجه أنها للدلالة على الاتصاف بالوصف أي: كيف نكلم من اتصف بكونه صبياً في مهده؟
الإعراب:
«فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ»: الفاء عاطفة تفيد السرعة، أشارت فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، إليه جار ومجرور متعلق بـ (أشارت).
«قَالُوا»: فعل وفاعل.
«كَيْفَ»: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل نكلم.
«نُكَلِّمُ»: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
«مَن»: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (نكلم).
«كَانَ»: فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على (من).
«فِي الْمَهْدِ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من صبياً أو بخبر كان مقدم.
«صَبِيًّا»: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة (أو حال إذا كانت كان زائدة أو تامة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم البديع يمثل انتقالاً درامياً هائلاً من صمت مريم المستفز للجموع إلى رد فعلهم الغاضب الساخر، تمهيداً لظهور المعجزة الكبرى التي ستقلب الموازين وتخرس الألسنة في اللحظة التالية تماماً.
وإشارة مريم الصامتة تحمل أبلغ معاني البلاغة والتوكل؛ فهي لم تكلف نفسها عناء الدفاع؛ لأن التهمة أكبر من أن يدفعها مجرد كلام امرأة متهمة، فتركت الدفاع للخالق القدير الذي خلق الرضيع ونطق الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
توجيه دلالة «كَانَ» في الآية ودفع شبهة التعارض الزمني:
استشكل بعض النحاة والمفسرين مجيء «كَانَ» الدالة على الماضي في قوله: {مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}، والرضيع حاضر أمامهم في المهد في زمن التكلم الحاضر، فكيف يعبر بالماضي عن الحال؟
والمحاكمة اللغوية الرصينة تورد عدة أجوبة سديدة:
أن «كان» تأتي في لغة العرب للدلالة على استمرار الوجود وثبوت الصفة، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}، فالمعنى: كيف نكلم من ثبت ووجد صبياً في المهد؟
وقيل: هي للدلالة على الماضي القريب الملاصق للحال؛ أي: كيف نكلم من كان قبل لحظات صبياً رضيعاً لا ينطق؟ فكيف نكلمه الآن؟
وقيل: «كان» زائدة صلة لتأكيد المعنى وتقرير الصفة؛ أي كيف نكلم من هو في المهد صبي، وزيادة كان معروفة في كلام العرب الفصيح كقول الشاعر: «وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ».
إيجاز الإشارة الفصيحة: لم تنطق بحرف، ولكن إشارتها كانت أبلغ من ألف خطبة؛ إذ نقلت الخصومة برمتها من ساحة البشر إلى ساحة القدرة الإلهية المعجزة.
الاستفهام التعجبي الإنكاري في «كَيْفَ»: إبراز لاستحالة الأمر في مجرى العادات والطبائع البشرية؛ تهيئة لنزول الإعجاز الخارق فوق العادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يتعلم المؤمن من هذا المشهد فن «تفويض الدفاع إلى الله»؛ فحين يتكالب الأعداء وتضيق الحيل، يكفي المؤمن أن يؤدي ما عليه من الطاعة ويثبت، ويدع لله تعالى تولي معركة التبرئة والبيان؛ فالله يدافع عن الذين آمنوا.
كما يعلمنا التريث وعدم السخرية من الأمور الغيبية أو المستغربة قبل تبين مآلاتها وحقائقها الربانية.