أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا
أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة الجريمة الكبرى والعلة العظمى التي اضطربت لها أرجاء السماوات والأرض وخرت لها الجبال الرواسي هداً، وهي فرية نسبة الولد إلى الله جل وعلا؛ قال الطبري في جامع البيان (18/258)مصدر غير محدد١٨/٢٥٨: «يقول تعالى ذكره: تكاد السماوات يتفطرن من هذه الكلمة التي قالها هؤلاء المشركون، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هداً، من أجل أن جعلوا لله ولداً وادعوه له، وأضافوا إليه ما لا ينبغي له أن يكون له ولا يصح في عقل ولا قياس ولا خبر». وأخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا} قال: «اقشعرت السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولداً». وروى عبد بن حميد عن قتادة قال: «لما قالوا: اتخذ الله ولداً، كادت السماوات والأرض أن تميدا غضباً لله ولعظمته، وما خلق الله شيئاً أعظم جرماً عند الله من هذه المقالة، ولولا حلم الله وإمهاله لخسف بالأرض وأسقط السماء عليهم كسفاً». وقال ابن كثير في تفسيره (5/263)مصدر غير محدد٥/٢٦٣: «أي: من أجل مقالتهم هذه وافترائهم على الله تعالى، تكاد الأجرام العظام أن تنفطر وتزول لعظمة الله تعالى، لأنها مخلوقة ومؤسسة على التوحيد، ومفطورة على تعظيم الخالق وتقديسه، فلما سمعت هذه الفرية الشنيعة فزعت واضطربت من هول ما قيل».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ترتبط الآية الكريمة بالآية السابقة ارتباط العلة بمعلولها؛ فبعد أن رسم القرآن مشهداً كونياً مهيباً كادت تنخلع له أركان الوجود {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}، جاءت هذه الآية بأسلوب الحصر والبيان القاطع لتعين السبب الوحيد لهذا الغضب الكوني المريع: {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا}. وهذا التناسب يعكس قبح الجريمة الاعتقادية؛ إذ لم يكن هذا الارتجاج الكوني بسبب طوفان أرضي أو زلزال مادي، بل كان انتفاضاً عقدياً للجمادات والكائنات التي تعرف ربها وتسبح بحمده، ضد مقالة الإفك التي نطق بها بنو آدم.