يبين الله جل شأنه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته أن هذا المتلو عليهم هو خبر رحمة الله وفيض إحسانه بعبده ورسوله زكريا عليه السلام، كافل مريم ونبي بني إسرائيل؛ حيث أجاب الله دعوته وهداه وتداركه بالنعمة حين انقطعت الأسباب الدنيوية.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 446)مصدر غير محدد١٥/٤٤٦ عن قتادة في قوله: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} قال: «ذكر الله رحمته إياه حين دعاه خفياً». وروى ابن كثير (ج 5، ص 212)مصدر غير محدد٥/٢١٢ عن مجاهد والسدي أن زكريا عليه السلام كان نبياً من أنبياء بني إسرائيل من ذرية هارون بن عمران، وكان قد كبر سنه ورقت عظامه وأشرف على الموت ولم يكن له ولد يرث نبوته ويرعى شريعة ربه في قومه، فتوجه إلى ربه خاضعاً متضرعاً فأنزل عليه رحمته التي لا حد لفيضها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«ذِكْرُ»: مصدر أضيف إلى مفعوله أو فاعله، والذكر يطلق على التذكر القلبي، وعلى التحديث باللسان والتلاوة، والمراد هنا: هذا المتلو عليك يا محمد هو نبأ وتذكير برحمة ربك.
«رَحْمَتِ»: كُتبت في المصحف بالتاء المفتوحة (رحمت) على الرسم العثماني وهو من مواضع الإعجاز الرسي المتواتر، وهي صفة الله عز وجل التي وسعت كل شيء، والمقصود هنا أثر الرحمة وعطاؤها وتجليها.
«عَبْدَهُ»: مفعول به للمصدر (رحمت)؛ أي: رحمة ربك عبدَه، وهو وصف تشريف وإضافة تكريم ترفع منزلة زكريا.
«زَكَرِيَّا»: بدل أو عطف بيان من «عبده» منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، وهو اسم علم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وفيه لغات للعرب: المد مع الهمز (زكرياء)، والقصر (زكريا) وهو قراءة الجمهور، والتشديد مع الحذف.
الإعراب:
«ذِكْرُ»: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا المتلو ذكرُ رحمتِ ربك، أو مبتدأ مؤخر خبره {كهيعص} على أحد الأوجه الإعرابية، أو مبتدأ خبره جملة {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ}.
«رَبِّكَ»: مضاف إليه مجرور، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه مخصص للخطاب النبوي الكريم.
«عَبْدَهُ»: مفعول به للمصدر (رحمة)، أو مفعول ثانٍ للمصدر (ذكر).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتصل الآية بالحروف المقطعة اتصال الإخبار بالمضمون بعد لفت الانتباه بالمطلع؛ فبعد أن ألقى الله على الأسماع تلك الحروف المهيبة، شرع في تفصيل الرحمة العظيمة لبيان أن القرآن رسالة هداية ورحمة للعالمين، وليس ألغازاً مجردة.
وتقديم ذكر «الرحمة» المضافة إلى «الرب» مقرونة بكاف الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {رَبِّكَ} فيه تسلية وتطمين لقلب المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ أي: إن الرب الذي رحم زكريا واستجاب دعاءه الخفي وخلق له الولد من العاقر الكبيرة، هو ربك الذي ناصرك ومؤيدك ومظهر دينك على سائر الأديان ولو كره المشركون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة عجز الأسباب واعتراض الماديين:
يتساءل أصحاب النظرة المادية الضيقة: كيف يرجو شيخ طاعن في السن بلغ مائة عام أو نيفاً وامرأته عاقر منذ صباها أن يولد لهما ولد؟
والمحاكمة العقلية تدحض هذا الاستبعاد؛ فالأسباب المادية ليست فاعلة بذاتها ولا مستبدة بالتأثير، وإنما هي وسائل أجراها مسبب الأسباب وموجد الكائنات جل وعلا، والرحمة الإلهية إذا تعلقت بمشيئة الله لم تقف دونها حواجز العادة؛ فالذي خلق الإنسان أول مرة من طين قادر على إعادة الخصوبة وإحياء الأرحام العقيمة بيسر وسهولة.
إضافة العبودية للتكريم: لم يقل «ذكر رحمت ربك لزكريا»، بل قال: {عَبْدَهُ زَكَرِيَّا}؛ لتقرير أن مقام العبودية الخالصة لله هو أعظم الأسباب الجالبة لنفحات الرحمة الإلهية؛ فكلما ازداد العبد لله ذلاً وافتقاراً، ازداد من الله رحمة وعطاءً وكرامة.
تخصيص اسم الرب المضاف إلى النبي: {رَبِّكَ} استحضار لخصوصية التربية والولاية والعناية الإلهية التي تحيط بالنبي صلى الله عليه وسلم وبكل عبد مخلص يتبع نهجه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسكب هذا التوجيه في نفس المؤمن رجاءً عظيماً لا يعرف اليأس مهما تفاقمت المحن واستحكمت الأسباب الظاهرة؛ فباب الرحمة الربانية مفتوح لكل من انكسر قلبه بين يدي ربه متجرداً عن الحول والقوة.
وينبغي للداعية أن يستحضر دائماً أن فتوحات الدعوة وتأييد الله وثبات القلوب ليست نتاج القدرات الشخصية أو التنظيمية فحسب، وإنما هي آثار متنزلة من «رحمة ربك» التي تهب الهداية وتشرح الصدور.