يبلغ إبراهيم عليه السلام ذروة الشفقة والحرص على نجاة والده؛ فيناديه للمرة الرابعة بـ {يَا أَبَتِ}، مصرحاً بخوفه الشديد عليه من أن ينزل به عذاب أليم من الله الرحمن بسبب إصراره على الشرك، فيكون في النار قريناً للشيطان وولياً له، يشاركه في الخزي واللعنة والخلود في الجحيم.
روى الطبري (ج 15، ص 531)مصدر غير محدد١٥/٥٣١ عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله: {إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ} قالوا: «أي أخاف أن تموت على كفرك وشركك فيصيبك عذاب الله، فتكون للشيطان ولياً؛ أي قريناً وناصراً وصاحباً في النار».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 236)مصدر غير محدد٥/٢٣٦ عن السلف أن إبراهيم عليه السلام تدرج في مناصحة أبيه: من إبطال الصنم عقلاً، إلى إثبات الوحي والنبوة، إلى التحذير من عداوة الشيطان، ثم ختم بالإنذار الأخروي الشفيق من عذاب جهنم؛ وهذا أكمل مسالك الدعوة النبوية الرشيدة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَخَافُ»: الخوف توقع المكروه والشر في المستقبل عن أمارة ظنونة أو متيقنة.
«يَمَسَّكَ»: المسيس وصول الشيء إلى الجسد من غير حائل، واستعماله هنا إشارة إلى أن مجرد مس العذاب كافٍ في إهلاك الإنسان وتعذيبه، فكيف بما هو فوق المس؟!
«عَذَابٌ»: نكرة للتهويل؛ أي عذاب شديد مهلك لا يقوى عليه بشر.
«وَلِيًّا»: الولي هو التابع النصير، والمراد هنا: قريناً وصاحباً له في العذاب والنار يتبرأ كل منهما من الآخر.
الإعراب:
«يَا أَبَتِ»: نداء تلطف مكرر.
«إِنِّي أَخَافُ»: إن واسمها، أخاف فعل مضارع والفاعل مستتر والجملة خبر إن.
«أَن يَمَسَّكَ»: أن حرف مصدري ونصب، يمس فعل مضارع منصوب بالفتحة، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ (أخاف).
«عَذَابٌ»: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
«مِّنَ الرَّحْمَٰنِ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (عذاب).
«فَتَكُونَ»: الفاء سببية أو عاطفة، تكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب النفي أو التوقع، أو معطوف على (يمسك)، واسمها مستتر تقديره أنت.
«لِلشَّيْطَانِ»: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (ولياً) أو بـ (ولياً).
«وَلِيًّا»: خبر تكون منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني الفريد يفيض بالحب والشفقة والرحمة النبوية؛ فإبراهيم لم يقل لأبيه: «إني أريد أن يعذبك الله» أو «سيعذبك الله»، بل قال: {إِنِّي أَخَافُ}؛ فأبرز مشاعر الخوف والحرص والوجل في قلبه عليه.
والجمع العجيب في قوله: {عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ} يحمل أبلغ المواعظ؛ فإذا كان العذاب صادرًا من الإله الموصوف بسعة الرحمة «الرحمن»، دل ذلك على أن الذنب قد بلغ غاية الشناعة حتى استوجب غضب أرحم الراحمين! فكيف يعرض الإنسان نفسه لسخط من وسعت رحمته كل شيء؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم التناقض بين صفة «الرحمن» وإنزال «العذاب»:
قد يتساءل البعض: كيف ينزل العذاب من «الرحمن» والرحمة تنافي التعذيب؟
والمحاكمة العقدية السلفية تبين أن رحمة الله تعالى ليست رقة طبع عمياء، بل هي رحمة مقترنة بالحكمة والعدل؛ فالرحمن يرحم عباده المتقين، ولكنه يغضب على المعاندين المجرمين الذين تمردوا على رحمته وعبدوا عدوه الشيطان؛ فكان إنزال العذاب بالكافرين مقتضى العدل الإلهي وحماية لأهل التوحيد، وتسميته هنا بالرحمن تذكير للأب بأن باب الرحمة مفتوح أمامه إن تاب وأناب قبل حلول النقمة.
البلاغة في التعبير بـ «يَمَسَّكَ»: استعارة حسية رقيقة؛ فالابن الشفيق يخاف على أبيه من مجرد «المس» الخفيف للعذاب، فكيف باستقراره ونزوله التام في قعر الجحيم؟!
التحذير من المآل {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}: بيان أن نهاية المعصية والشرك هي التحالف الإجباري والاقتران المهين مع الشيطان في نار جهنم، وبئس القرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا الموقف الداعية على أن تكون محركاته الدعوية هي «الشفقة والحرص والخوف على المدعوين»؛ فالداعية لا يشمت بالعصاة، ولا يتمنى هلاكهم، بل يرجو نجاتهم ويبكي خوفاً عليهم من نار جهنم.
كما يعلمنا أن أعظم صور بر الوالدين هو السعي في نجاتهما من عذاب الآخرة؛ فالبر لا ينحصر في إطعامهما وكسوتهما في الدنيا، بل أعظم البر هو هدايتهما إلى جنات الخلد.